التعليم العالي في بريطانيا له تاريخٌ عريق يصعب حصره والحديث عنه في مقال، إلا أنني سأحاول سرد مقتطفات تشكل أبرز ملامح واحدة من أفضل تجارب التعليم العالى على مستوى العالم. بدأ تاريخ التعليم العالي الطويل في بريطانيا من عام 1096م حينما أنشئت جامعة اكسفورد Oxford University والتي تعتبر من أقدم جامعات العالم، في حين أن منافستها التقليدية جامعة كامبريدج Cambridge University أنشئت عام 1209م، بين هاتين الجامعتين تنافسٌ كبير يلحظه ويعرفه كل متابع، وهذا مابدا واضحاً لي في الاحتفال الذي نظمته جامعة كامبريدج احتفالاً بمرور 800 عام على تأسيسها في عام 2009م بحضور كوكبة من علماء أفذاذ كانواً يوماً ما يجلسون على مقاعدها في حفلٍ مهيب! وتأسست بعد ذلك أربع جامعات اسكتلندية هي: سانت أندروز وقلاسكو وأبردين في بداية القرن الخامس عشر الميلادي وفي نهايته تأسست جامعة أدنبرا، وتوالى تأسيس مؤسسات التعليم العالي حيث يبلغ عددها اليوم في المملكة المتحدة قرابة 300 مؤسسة.

 من عاش في بريطانيا أو درس فيها يلحظ أمرين مهمين: الأول: تتشكل المدن البريطانية حسب جامعاتها التي تقوم بدور محوري في حياة الناس وعلى أساسها يترتب وضع المدينة والحياة التجارية والاجتماعية فيها وهذا يدل على عمق وتاريخ التعليم العالي لديهم، ولا عجب في ذلك عندما نعلم أن قطاع التعليم العالي في المملكة المتحدة يسهم بـ 60 مليار جنيه استرليني سنوياً في اقتصاد البلاد، الثاني: أن مؤسسات التعليم العالي في المملكة المتحدة متخمةٌ بالطلبة الدوليين International Students وبأتي هؤلاء الطلبة من أكثر من 200 دولة في مقدمتها: الصين والهند ونيجيريا والولايات المتحدة الأمريكية ويضخون سنوياً مبلغ وقدره 4.5 مليار جنيه استرليني. استراتيجية التدويل هذه لها أبعاد تسويقية حضارية يدرك أهميتها المسؤولون عن سياسة التعليم العالي في المملكة المتحدة ولذا نجد أن بريطانيا هي الأولى على مستوى العالم في استقطاب الطلبة الدوليين.

 جامعات التعليم العالي البريطانية هي كيانات نظامية مستقلة لاتديرها ولا تملكها الحكومة البريطانية بل تشترك في مجالس مع هيئات حكومية تحدد اتجاهها الاستراتيجي وتراقب سلامة أوضاعها المالية والتأكد من فعالية أدائها، وهذه الهيئات لاتتدخل في إدارتها أو برامجها التدريسية أو نوعية البحوث العلمية التي يجريها أعضاء هيئة التدريس والمراكز البحثية بالجامعات ولا حتى في نظام التوظيف أو رواتب الموظفين! هذا يحدث بالرغم من أن جامعاتها تتلقى دعماً حكومياً عن طريق مجالس التمويل المرتبطة بالجامعات والتي تلتزم بضمان جودة التعليم العالي، ولذلك فإن جامعات المملكة المتحدة تتميز باستقلاليتها وسمعتها الواسعة وذلك لما تتمتع به من حرية فكرية وأكاديمية، ويتميز قطاع التعليم العالي في المملكة المتحدة بشكل عام أيضاً بضخامته وتنوعه، كما أنه لايقدم مناهج دراسية وطنية لمؤسساته التي تتحمل المسؤوليات لضمان جودة برامجها الدراسية.

 إفراز الجامعات البريطانية لـ 39 فائزاً وفائزة بجائزة نوبل في الخمسين عاماً الماضية يدل على جودة البحث العلمي لديهم وأنهم يسيرون في الطريق الصحيح، فمنذ عام 1901م فاز بجائزة نوبل في الكيمياء والفيزياء والطب 68 عالماً ولدوا في المملكة المتحدة لتأتي ثانيةً على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن نتاجها البحثي يصل إلى 8% من الأبحاث التي ينشرها العالم بأسره! والمملكة المتحدة لاتخجل إطلاقاً من استقطاب كل العقول العلمية المتميزة وتسهل لهم قوانين الهجرة وتوفر لهم حياة كريمة حيث بلغت نسبة الأكاديميين الأجانب في الجامعات البريطانية 25% من إجمالي عدد الأكاديميين البريطانيين!

 يوجد في المملكة المتحدة 7 مجالس للبحث العلمي تدعمها الحكومة البريطانية ب 3 مليارات جنيه استرليني سنوياً لتقوم بدورها بتوزيع منح تمويلية للباحثين في الجامعات وفق آليات وضوابط محددة، كما أن هناك قنوات أخرى للحصول على الدعم المالي: كالاتحاد الأوروبي وقطاعي التجارة والصناعة وبعض المؤسسات الخيرية والجمعيات العلمية التخصصية. والأجمل أن مجالس البحث العلمي لاتكتفي بدور التمويل فقط بل تقوم من خلال خبرائها باستشراف النقاط البحثية الساخنة والهامة في جميع المجالات على مستوى العالم وتشجع وتحفز الجهات البحثية للبحث في هذه المجالات. البحث العلمي هو المحرك الرئيسي للاقتصاد القائم على المعرفة، وهو الأساس الذي يحدد مكانة كل أمة في المستقبل، استوعب ذلك البريطانيون مبكراً فأصبحوا في مصاف الدول المتقدمة.

[blackbirdpie id="141613042231287808"]

فواز سعد
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، ريادي أعمال، مدرب في الإعلام الإجتماعي و إدارة المؤتمرات. يهتم بالعلاقات العامة،… المزيدعضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، ريادي أعمال، مدرب في الإعلام الإجتماعي و إدارة المؤتمرات. يهتم بالعلاقات العامة، الإعلام الإجتماعي، العمل التطوعي، إدارة المؤتمرات والمناسبات، التدريب الإعلامي، إدارة التغيير.