لم تعد دول الخليج العربي مجرد مصدر للطاقة يزود العالم بما يحتاجه من نفط، حسب نظرة سادت طويلا للمنطقة ودولها، بل أصبح يحتل شيئا فشيئا موقع الفاعل في القضايا العالمية المؤثرة سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الفكري، كما أنه يعيش في قلب «بؤرة استراتيجية» تمتلك تقريبا %80 من الطاقة المختزنة في باطن الأرض من غاز ونفط وتحيط بها القلاقل من أطرافها الأربعة حيث العراق غير مستقر، وإيران تهدد وتتدخل، واليمن وبقية دول الإقليم العربي يموج بالثورات التي لم تتضح ملامحها بعد.

كل هذه المعطيات تفرض على دول الخليج العربي تحركا دبلوماسيا وعسكريا نشطا ومؤثرا لقيادة الرأي العام العالمي والحفاظ على وعي شعوبها وتصحيح مرئيات المتابعين لأحداث المنطقة تجاه حقيقة ما يحدث لها وحولها، كما أنه لم يعد بإمكان دول الخليج العربي تجاهل مطالب شعوبها وأجيالها القادمة بأن تمتلك قوة عسكرية قادرة ورادعة للوقوف في وجه أي محاولة للتطاول تتجاهل القوانين الدولية وعلاقات الجوار وتتحدث بلغة التهديد والوعيد.

وفي ذات السياق فإن دول الخليج العربي عملت وتعمل دائما على الحفاظ على استقرار السوق العالمي الذي يحاول الاستفاقة من أزمة البنوك الأمريكية التي ألقت بظلالها على الاقتصاد الدولي بينما يرقب بتوجس أزمة منطقة اليورو وما قد تتركه من آثار مدمرة على الاقتصاد حال الفشل في تلافيها، ونجحت دول الخليج العربي في الحفاظ على تدفق نفطي ثابت وهو ما يسهم بوضوح في مساعدة الاقتصاد العالمي على تجنب التقلبات في أسعار الطاقة.

كما أن دول الخليج العربي سجلت عدة نجاحات في دائرة التحرك الدبلوماسي لعلاج أو إنهاء الأزمات، فمن نجاحها الملفت في دفع الأطراف اليمنية لتوقيع اتفاقية لنقل السلطة حقنا للدماء، إلى دورها الواضح في دعم ثورة الشعب الليبي، كما أنها قادت التحركات الدبلوماسية العربية بنجاح حتى الآن لحماية سوريا من السقوط تحت طائلة التدويل ضمن جهود حثيثة لإنهاء الأزمة عربيا.

بينما أثبتت تماسكا وتنسيقا عاليا داخليا نجح وبشكل مستمر في منع أي محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج العربي سواء بالسلاح أو العملاء أو اللعب على الخلافات الطائفية.

وكل هذه المقدمات تضع دول الخليج العربي في موقع القيادة في العالم في ظل انكفاء أمريكي يركز على المشكلات الاقتصادية الداخلية وقلق أوروبي من انهيار العملة الموحدة وتدخل روسي يبدو أنه لا يدرك حقيقة وأبعاد الأمور في المنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢) صفحة () بتاريخ (٠٦/١٢/٢٠١١)