انتهى أمس، حسب تصريح حسين الأسدي ممثل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي «الاحتلال الأمريكي» بتسلم العراق، وفي خطوة رمزية أخرى، تم تسلم آخر القواعد الأمريكية في البلاد وربما أشهرها وهي قاعدة «الناصرية».
وبتسليم هذه القاعدة إلى العراقيين ومع غبار الدبابات والسيارات العسكرية التي تغادر الأراضي العراقية تطوى صفحة من تاريخ العراق المعاصر اتسمت بسيطرة أمريكية على البلاد لتفتح صفحة جديدة على المجهول بالمعنى الدقيق للكلمة.
فباسترجاع تصريحات رئيس البرلمان العراقي نجده وزملاءه من النواب يؤكدون أنهم لا يعرفون شيئا عن جاهزية القوات العراقية. وبالنظر إلى حرص المالكي على رحيل القوات الأمريكية دون تأجيل رغم تأكيدات متعددة على عدم جاهزية القوات العراقية من جيش أو شرطة لحماية البلاد، وأيضا عند ملاحظة ترك المالكي محافظة البصرة لتتحول إلى محافظة تخضع للسيطرة الإيرانية بالكامل، وكيف أنه تجاهل بشكل متعمد المحافظات السنية، وضغطه وحكومته على سكانها حتى دفعهم للتفكير في الانفصال عن العراق في إقليم مستقل، وبالنظر أيضا إلى كيفية استمرار المالكي في حكم العراق رغم أنه وتحالفه «دولة القانون» خسرا في الانتخابات أمام «القائمة العراقية» بقيادة إياد علاوي، حيث تم الالتفاف على الدستور ولوي عنق النصوص والاستقواء السافر بإيران والضغط على مختلف الأطراف وتقديم تنازلات هائلة للأكراد ليبقى الحليف الأوثق للإيرانيين محتفظا بمنصب رئيس الوزراء، سنرى بسهولة أن الدافع الأساسي والنتيجة الواضحة لتصرفات المالكي السياسية والأمنية داخل العراق هي خدمة المصالح والأهداف الإيرانية لا مصلحة العراق واستقراره وتحقيق المصالحة بين مختلف أطيافه من المواطنين.
ربما تخلص العراق أمس من آخر وجود ملحوظ لـ «قوات الاحتلال» الأمريكية، لكنه بالتأكيد يعاني من مظاهر ملحوظة لـ «احتلال» إيراني يبدو أنه وعلى عكس الأمريكي يملك مؤيدين مستعدين لخدمة مصالحه على مختلف المستويات.
إن مراجعة سريعة لتصرفات حلفاء إيران في العراق تؤكد سعيهم وبشكل حثيث لتدمير أي عوامل قوة للعراق تجعله دولة مؤثرة في محيطه، وتدمير أواصر العروبة بينه وبين الدول العربية التي وقفت مع العراق طوال سنين، وتحويل العراق إلى مجرد تابع للسياسات الإيرانية بحيث يصبح بكل قوته البشرية والنفطية وموقعه الاستراتيجي خاضعا للتوجيهات الإيرانية وورقة تلعب بها طهران خلال مساوماتها السياسية وسعيها الدائم لتحقيق سيطرة إقليمية.
ربما على العراق الاحتفال برحيل «الاحتلال» الأمريكي، لكن عليهم التفكير مليا في «الاحتلال» المقبل، وكيفية مواجهته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣) صفحة (١٣) بتاريخ (١٧-١٢-٢٠١١)