لم تكن إشارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز في كلمته الافتتاحية أمام قمة مجلس التعاون الخليحي لأخذ العبر من التاريخ والتجارب إشارة عابرة في حديث مكرور، بل كانت رسالة واضحة وجليّة في صميم ما سيكتبه المستقبل لاحقاً عن جميع قادة الدول المشاركة في القمة، وعن مسؤوليها وشعوبها، فالتاريخ الذي سيسجل مواقف قادة الخليج الآن، هو ذاته الذي سجّل عبر الأزمان قيام دول وانهيار أخرى.
إن دعوة خادم الحرمين لدول الخليج كي تجسّد حضورها العالمي ككيان واحد لا يبتعد كثيراً عن واقع ما يحدث من تحركات وتكتلات دولية شرقاً أو غرباً، بل إن هذه الدعوة تبدو ملحّة ومطلباً عاجلاً أكثر من اي وقت مضى، ففضلاً عن قرب التجانس الاجتماعي الذي يعتبر أساساً للانصهار الكلّي في بوتقة واحدة، فإن معطيات الجغرافيا والاقتصاد ومكامن الثروة بل وحتى المناخ تساند هذا التوجّه الاستراتيجي.
وتؤكد المستجدات اللحظية التي تحيق بعدد من الدول من المجاورة أن استمرار استقرار دول الخليج وأمنها، لن يستمر إذا ما بقيت الحدود الوهمية والنظامية عائقاً يحول بين الأخ وأخيه، بل إن هذه الحدود مدعاة لاختراق الصف، والقفز إلى البيت الخليجي الواحد من فوق الأسوار.
إن ترجمة دعوة خادم الحرمين الشريفين إلى تكتل دول الخليج ككيان واحد لا تحتاج أكثر من تحرك فاعل، متواكب مع عصر السرعة والتكنولوجيا، قافزاً على عراقيل البيروقراطية وأوهام الديمومة، ومتجاوزاً الخلافات الشكلية والتحجج بأسباب واهية لا وجود لها على أرض الواقع. وإذا كانت هذه القمة الخليجية هي الدورة الثانية والثلاثون للمجلس الأعلى، فإن الدورة المقبلة، وهي الثالثة والثلاثون لا بدّ أن تأتي بشكل مغاير كلّياً لجميع ما سبقها من قمم، ومترجمة لكل القرارات المعلّقة على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعارض أو تقف في طريق الوحدوية التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
كان الملك عبدالله واضحاً شفّافاً وهو يحذّر من التكالب العالمي فكريّاً وطائفيّا واقتصادياً ضد دول المنطقة، واستهدافها بمختلف الأساليب والسبل، ومحاولة زعزعة أمنها، ملمحاً إلى أنّ اليقظة ولاشيء غيرها هي الكفيلة بملاحظة وتقرير حجم هذه التحديات ومواجهتها.
ولتطرق كلمات الملك عبدالله كلّ الأسماع، معلنة أنّه إذا لم يتحوّل مجلس دول التعاون الخليجي إلى تكتل دول اتحاد خليجي، فإن القافلة ستسير بعيداً، وسيبقى التاريخ شاهداً لكل معتبِر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٠-١٢-٢٠١١)