أي مراقب تابع تفاصيل البيان الختامي للدورة الثانية والثلاثين لقمة مجلس التعاون الخليجي يدرك الفروق الجوهرية بين هذا البيان وبيانات القمم السابقة، فقد قفز البيان المعلن بالأمس على الوقت والمباحثات لأول مرة، محدداً بنود القرارات وآليات ومواعيد تنفيذها، وفي هذا إشارة أوليّة إلى مدى فاعلية البيان.
ففي أسلوب البيان كانت اللغة الإنشائية تولّي إلى غير رجعة، لتحل محلها اللغة الموضوعية، وفي مصطلحات البيان تمت الإشارة إلى مواطني ومواطنات دول الخليج أكثر من مرة في لفتة سياسية بالغة الذكاء تشير إلى بدء عصر المشاركة في صناعة القرار وتقرير المصير، وتضع تأثير الرأي العام في مسيرة دول الاتحاد الخليجي المستقبلي نصب عينها.
ولم يكن (إعلان الرياض) الصادر عن القمة والمقرر في ثمان نقاط ببعيد عن البيان الختامي في تأكيده على أسس جديدة لترجمة دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى إعلان منطلقات دول الاتحاد الخليجي، فابتداء من تبني مبادرة الملك عبدالله كأولى البنود التي تم التأكيد عليها، ومرورا بتحصين الجبهة الداخلية وتقرير حق المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون في الحقوق والواجبات، وإلى التأكيد على التصدي بفاعلية وبسرعة وبشكل جماعي عبر تعاون دفاعي وأمني لأي خطر يهدد دول الاتحاد الخليجي، كان التحرك الجماعي لتأسيس كيان ذي قواعد كنفدرالية مدركاً للوهلة الأولى، وليأتي البيان الختامي مؤكداً وموجّها بوصلة التحرك الخليجي في هذا الاتجاه.
واستناداً إلى المحددات المختزلة التي وضعها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في كلمته خلال افتتاح القمة، ترجم البيان الختامي ذلك في قرارات متوالية، كان أبرزها اعتماد الهوية الشخصية كإثبات لهوية مواطني الدول الخليجية، والاستفادة من المتقاعدين العسكريين والمدنيين، إضافة للأنظمة الأخرى المقرة في تفاصيل البيان.
إن إعادة رسم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط يظهر للقاصي قبل الداني، وما يدور حول منطقة دول الخليج العربي هو جزء من منظومة أعمق وأبقى أثراً يراد من خلالها السيطرة على المنطقة سياسياً وعسكريّاً واقتصادياً، وببيان الرياض الذي حمل لغة شفافة في الطرح والتناول والرؤية والتوجه نحو قرارات مصيرية ومفصلية، تعيد دول الاتحاد الخليجي رسم أوضاعها الداخلية والبينية بيدها وبما تمليه إرادتها الحرّة مختارة طوعاً أن تلتحم في كيان ربما هو السيد الذي سيقود العالم في العصر القريب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧) صفحة (١٥) بتاريخ (٢١-١٢-٢٠١١)