لعل أكثر من يراقب الوضع العربي الراهن هو الكيان الصهيوني، الذي يبدو أن أجندته الرئيسية رصد التطورات في الساحة العربية، خصوصاً الإرهاصات التي تشهدها مصر، حيث تشكل الحالة الراهنة عملية مخاض قد تمتد إلى المنطقة العربية برمتها. فالوضع العربي أصاب قادة الكيان بإرباك شديد إزاء طريقة التعاطي معه، كونه جاء مفاجئاً للجميع، بمن فيهم صناع القرار في تل أبيب، التي وجدت في تجاهل العرب بالقضية الفلسطينية فرصة سانحة لمضاعفة عذابات الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن الأراضي الفلسطينية التي تحتفل بميلاد السيد المسيح بعد يومين (25 ديسمبر)، تواجه عملية خنق اقتصادية، فضلاً عن الحالة السياسية والعسكرية التي وجدت مع الاحتلال الصهيوني.
فقد كانت مدينة بيت لحم، التي يقدسها المسيحيون، باعتبارها مهد النبي عيسى بن مريم، تزهو باحتفالات مميزة في مثل هذه الأيام، ويتدفق عليها السياح من مختلف دول العالم للاحتفال بأعياد ميلاد السيد المسيح، لكنها تعاني في السنوات الأخيرة من زيادة إحكام الطوق العسكري الصهيوني، مما قلل من عدد السياح إليها، وزاد من تدهور اقتصادها واقتصاد المدن والبلدات القريبة، منها إلى الاقتصاد الوطني الفلسطيني الذي يواجه حصاراً خانقاً لم تتمكن مجموعة الرباعية (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، روسيا والأمم المتحدة) من تخفيف هذا الوضع، الذي أنتج وضعاً كارثياً لا يزال يهدد بانهيار الاقتصاد الفلسطيني برمته.
تشكل مدينة بيت لحم تاريخياً، حالة متقدمة في التعايش بين الثقافات في الشرق الأوسط، كما كانت جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي الفلسطيني. فهي إلى جانب القدس الشرقية ورام الله كانت تشكل ما نسبته 30 – %40 من النشاطات الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما يفسر أهمية هذه المدينة، ويفسر أيضاً القرار الصهيوني بتقطيع أوصال المدينة بالجدار العازل؛ الذي يمتد إلى أعماقها ويعزلها عن باقي المناطق، ومنها القدس التي يسعى الاحتلال إلى تفريغها من أهلها، بمن فيهم المسيحيون من خلال عمليات التطفيش ومحاربتهم في أرزاقهم ومنع العمل عليهم بطرق شتى، فمن أصل ثمانين مؤسسة تجارية تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن 72 مؤسسة تجارية قد تم إغلاقها في الفترة ما بين 2002 والعام 2004، واستولى الاستيطان على أكثر من %77 من الأراضي الزراعية التابعة للمناطق المحاذية لبيت لحم.
لكن بيت لحم ليست إلا أنموذجاً يستذكر مع احتفالات العالم المسيحي بميلاد السيد المسيح، حيث لم يعد هذا العالم يكترث حتى بمقدساته التي يفترض أنها محمية دولياً، باعتبار أن الحريات الدينية تشكل جزءاً رئيسياً من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. أنموذج المدينة المقدسة يعمم على الحالة الفلسطينية القائمة في الوقت الراهن. فهناك ما يربو على %30 من الفلسطينيين في سن العمل عاطلون، وتقدر بعض الإحصائيات النسبة بنحو %60 في مجتمع قوام قواه العاملة أكثر من ستمائة ألف عامل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ما أوقع نحو 65 من المجتمع الفلسطيني تحت خط الفقر، أي أن الدخل يقل عن دولارين أمريكيين في اليوم، ويشكل الشباب الذكور نسبة %45 من العاطلين عن العمل، أما البطالة بين الشابات الفلسطينيات فترتفع إلى %93.
لا شك أن تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي تشكل عمق الأزمة، يضاف إليها الحصار المستمر للاحتلال وتقطيع المناطق، ومنع الاحتلال تصدير السلع الفلسطينية للخارج، واعتماد أكثر من 120 عاملاً فلسطينياً على العمل داخل الخط الأخضر (أراضي 1948)، مما يزيد من المأزق الفلسطيني إلى الدرجة التي وصل إليها حالياً وهي حافة الانهيار. وتعزز هذا الانهيار بتراجع التمويل، وعدم رعاية الدول المانحة عملية تشغيل الفلسطينيين وامتناعها عن الضغط على الكيان لإيجاد فرص عمل لهم أو تعويضهم، باعتبار أن الاحتلال عليه التزامات أدبية وأخلاقية واقتصادية أمام السكان الذين يحتل أراضيهم.
بيد أن هذه الالتزامات لم تعد تشكل هاجساً لدى الحكومة الصهيونية، التي تتمتع في الوقت الراهن بحالة ارتخاء قد تطول بسبب إرهاصات الخريطة الشرق أوسطية التي تعصف بها التغيرات الدراماتيكية بسبب الربيع العربي، إذ تنشغل الأقاليم الثلاثة الرئيسية في الوطن العربي: المشرق والخليج وشمال غرب إفريقيا، بأوضاعها الداخلية. فحتى الآن حصل التغيير في تونس وليبيا، بينما شهد الوضع المغربي حالة من الإصلاحات، اعتبرتها قوى رئيسية في المعارضة هناك أنها تنازلات جادة من قبل الحكم.
وفي مصر لا تزال الأوضاع تواجه مخاضات حتى بعد الانتخابات النيابية، التي فاز فيها الإسلاميون بشقيهم الإخوان والسلفيين، بينما يحتدم الوضع الداخلي السوري وقد ينبئ بتدخلات دولية على غرار ما حدث في ليبيا.
في ظل هذه الأوضاع يتراجع الاهتمام بالوضع الفلسطيني، الذي لا يزال يعيش بيته الداخلي انقساماً حاداً لم تفلح كل الجهود المبذولة من إرساء قواعد مشتركة للخروج بحل يقدم مؤشرات على أن قطاع غزة والضفة الغربية يمكن أن تتحركا كوحدة جغرافية وسياسية واحدة. وحتى يحدث ذلك سيبقى السيد المسيح يبكي على آلام شعبه بعد ألفي سنة ونيف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٣-١٢-٢٠١١)