تبدو التصريحات التي تتحدث عن وساطة إيرانية بين أطراف النزاع العراقي (رئيس الوزراء نوري المالكي من جهة، ونائبه صالح المطلك، ونائب الرئيس طارق الهاشمي) مثيرة للريبة والقلق أكثر منها باعثة على الاطمئنان.
فالمؤكد أولاً أن إيران هي سبب الأزمة الحالية في العراق؛ عبر محاولاتها -عن طريق أدواتها- إحكام السيطرة على العراق بعد الانسحاب الأمريكي منه، والمقلق ثانياً أن طهران عندما تحاول تقديم نفسها كوسيط فهي في حقيقة الأمر تريد طرح نفسها كطرف حاكم تعود له الأطراف العراقية المختلفة؛ لتصبح صاحبة القرار الأوحد في البلاد، عبر قدرتها على التوفيق بين مختلف الأطراف العراقية، التي إن سمحت لطهران بلعب هذا الدور فسوف تضطر لاحقاً إلى تزلفها، والسعي لتحقيق مطالبها داخل البلاد؛ ضماناً لاستمرار انحياز هذا «الوسيط» إلى جانبها، وهكذا وبدلاً من أن يكون طرف واحد يسعى لتحقيق مصالح إيران في العراق، سوف تصبح عدة أطراف تتسابق على تثبيت هذه المصالح، وهو ما يجب أن ينتبه له العراقيون جيداً إن أرادوا بناء عراق مستقل الأرض والسيادة والقرار.
اللافت أن هذا التحرك الإيراني لافتعال المشكلات، ثم طرح الحلول لحصد مكاسب سياسية، بدأ ينتقل إلى اليمن، حيث بدأت طهران تحاول استمالة قوى من جنوب اليمن لتأجيج الصراع في هذا البلد، الذي يشهد حالياً محاولات لإعادة الاستقرار بعد المبادرة الخليجية التي اتفق عليها الفرقاء اليمنيون، ولكن طهران تحاول حالياً زيادة الصدع بين اليمنيين، وإغراق البلاد مرة أخرى في خلاف سياسي سيقود إلى الفوضى، بعد أن حاولت سابقاً العبث باليمن وتقسيمه، عن طريق محاولات دعمها للحوثيين في شمال البلاد، علها تجد لنفسها موطئ قدم يساعدها في خططها المكشوفة لإثارة التوتر في دول الخليج، ولا يمكن النظر لتحركها الأخير إلا في هذا الإطار الذي يسعى أيضاً لإيجاد دور جديد لإيران في المنطقة، عقب فشلها الذريع في تأسيس الدور الذي أرادته كجهة مهيمنة على منطقة الخليج العربي. وأخيراً، يلاحَظ أن إيران بدأت أيضاً في تسريب أخبار تفيد بأنها كانت بشكل أو آخر وراء إقناع دمشق بالتوقيع، في محاولة لإخفاء الجهد العربي في الخروج بسورية من أزمتها، ولطرح نفسها مرة جديدة كقوة توافق في المنطقة، وهي محاولات ستحصد الفشل بالتأكيد؛ فالجميع يريد حقاً أن تكون إيران عنوان توافق، ولكنها تصرّ دائماً، وبتصرفاتها الماثلة الآن، أن تكون عنواناً للتوتر والأزمات، وهو ما لن تخفيه «أقنعة الوسطاء» التي ترتديها في العراق أو اليمن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٨-١٢-٢٠١١)