على الرغم من الدعوات التي استمرت سنينَ، وبشكل متواصل من دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لحل النزاعات بين إيران والعالم بشكل سلمي، وعن طريق الحوار وتجنيب إيران والمنطقة مواجهات سواء فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، أو ما يخص خلافاتها مع المجتمع الدولي في قضايا أخرى؛ فإن طهران تبدو كمن يصر على الانتحار في تصرفاتها المتتالية التي يتصدرها الآن تصميمها اللامنطقي على ادعاء قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وإصرارها على تدريبات ومناورات في المضيق، تدّعي من خلالها قدرتها على منع مرور النفط من الخليج العربي إلى العالم.
هذه التصرفات التي تزيد حدة الخلاف بين إيران والمجتمع الدولي، تؤكد أن طهران ما زالت مصرة على ادعاء قدرات أكبر مما يستطيع جيشها تحمله أو تنفيذه، فهي تهدد بإغلاق مضيق هرمز، وكأن دول الخليج العربي لا تملك أي قوة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية تستطيع الرد بها على مثل هذه التصرفات، فيما تؤكد جميع الحقائق أن دول الخليج قادرة على الرد عسكريا وسياسيا بقوة رادعة على أي محاولة إيرانية لمنع مرور ناقلات النفط من الخليج العربي إذا تطلب الأمر.
والأغرب أيضا: أن طهران تفترض أن العالم سيبقى متفرجاً فيما هي تمنع عنه أهم مورد للطاقة مع ما يعنيه ذلك من تداعيات تطال حياة البشر من الولايات المتحدة الأمريكية حتى الصين، وتتناسى أن محاولة تنفيذ تهديدها يعني وقف علاقاتها التجارية مع معظم دول العالم؛ حيث إن سفنها ستفقد القدرة على الإبحار ميلا بحريا واحداً خارج الموانئ الإيرانية أو العودة إليها من أي مكان في العالم، وذلك وفقا للقوانين الدولية التي تنظم الإبحار في المياه الدولية.
أمس، شهد الوضع الإيراني ثلاثة تطورات مهمة: تجارب صاروخية في مضيق هرمز على الرغم من التحذيرات الدولية من عواقب هذه التصرفات في الخليج العربي، والإعلان عن تجربة على أول قضيب وقود نووي ينتج من مخزون اليورانيوم الخام في البلاد على الرغم من تقارير المنظمة الدولية للطاقة الذرية التي أكدت أن هناك قلقا حقيقيا من البرنامج النووي الإيراني، وأخيراً انهيار سعر الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي من 11 إلى 16 ألف ريال وذلك بعد إقرار الرئيس باراك أوباما عقوبات اقتصادية على إيران، ومطالبة الرئيس نجاد البنك المركزي الإيراني بالتصدي لها بقوة، وتأكيده أن بلاده لن تتأثر.
وعند النظر لما حدث للريال الإيراني بعد عقوبات واشنطن، وتحدي نجاد؛ نستطيع استنتاج ما سيصيب إيران إن استمرت في تمردها على المجتمع الدولي وتهديدها للجوار، فما يقوم به الساسة الإيرانيون الآن يمكن وصفه بكل وضوح بالانتحار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٩) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٢-٠١-٢٠١٢)