نجاح الجهات الأمنية في القبض على اثنين من قائمة المطلوبين الأخيرة دليل على أن المعالجة الأمنية تسير بخط متواز مع المناصحة ومحاولة إعادة المغرر بهم إلى طريق الصواب، وهما الخطان اللذان وضعتهما الدولة نصب عينها منذ انطلاق أول شرارة للإرهاب ضربت المجتمع السعودي.
ومع نجاح الضربات الأمنية التي توجه إلى المغرر بهم، فإن الثقة التي منحتها الدولة لهؤلاء للتراجع عن أفكارهم وتسليم ثلاثة أنفسهم دليل أعمق على أن هناك ثقة كبيرة في الدولة وفي عدالة النظام القضائي فيها، إضافة إلى نظر وزارة الداخلية في أمر من سلم نفسه، وأخذ المبادرة في الحسبان، كجزاء واضح عن الأفكار الضالة، والعودة إلى حضن الوطن الذي يتسع للجميع.
وبالقدر ذاته يُنظر إلى ذوي المطلوبين وإلى المجتمع ككل، حيث إن نتاج المبادرة الرسمية التي تُقابلها مبادرة شعبية غالباً ما يصبّ في صالح عودة الأمور إلى نصابها واستقرار الأوضاع. وهذا ما استهدفته وزارة الداخلية حين ركزت على ثنائية الرسمي والشعبي في معالجة أمر المطلوبين الثلاثة والعشرين، ومن سبقهم من مطلوبين في قوائم أمنية.
إن قدر التفاؤل يفوق بكثير قدر التشاؤم في هذه القضية كما كان في غيرها من القضايا، وعلى المجتمع أن يعي دوره الوطني والأمني، ببذل التعاون البناء الذين يخدم المطلوبين أنفسهم، ويدعم براءة من هو بريء فعلاً. إذ إن موقف وزارة الداخلية كان واضحاً بما يكفي لبيان الأمور، وبالذات فيما يخصّ الآلية النظامية التي تخص المطلوبين. فهؤلاء خضعوا للآلية التقليدية المتبعة في دوائر الأمن السعودية التي تبدأ بالاستدعاء، ثم البحث والتحري. وحيث ثبت للأجهزة الأمنية امتناع المطلوبين عمدت الداخلية إلى إعلان أسماء المطلوبين، ولم تنسَ ـ في الوقت ذاته ـ أن تؤكد وجود فرصة لهم جميعاً ليسلموا أنفسهم طوعاً، مؤكدة أن لذلك حسناته أثناء النظر في قضية كل مطلوب.
وبلغة أخرى؛ فإن الداخلية منحت فرصة أخيرة للمطلوبين، ودعتهم إلى الاستفادة من هذه الفرصة، بدلاً عن إهدارها وتحوّلهم إلى أشخاص مهددين بالقبض.
وما تبقّى، بعد ذلك كله، هو أن يرحم المطلوبون أنفسهم أمام حكومة بدأت معهم باللين حين نزلوا إلى الشارع وأحدثوا الفوضى، فهي كانت تستطيع أن تبدأ بالشدة. ولكنها حكومة تحترم مواطنيها، وتعرف حقوقهم، وتراعيها، وتصرّ ـ حتى في اللحظات الحرجة ـ على أن تؤمن كامل الحقوق للجميع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٤-٠١-٢٠١٢)