كما كان متوقعا بدأت التفجيرات في دمشق، وهذه المرة في قلب الأحياء السكنية الآمنة بعد «مسرحية استهداف المقرات الأمنية».
وبدأ النظام السوري فعلا في استنساخ التجربة العراقية بعناصرها كاملة من لعب بالورقة الطائفية والتهديد بالمنظمات الظلامية وتصدير الخوف من الإرهاب كبديل له في حال استجابته للمطالب الشعبية بالرحيل، ضمن ما يبدو أنه «خطة عمل» تم تقديمها للنظامين العراقي والسوري للسير وفقها.
وبما أن التفجير الأول كان واضح التلفيق من حيث إغلاق الشوارع التي وقعت فيها التفجيرات قبل موعدها بليلة كاملة في مواقع عالية التأمين والحراسة ما يجعل اختراقها صعبا جدا فيبدو أن دمشق اختارت هذه المرة حيا سكنيا آمنا لتدبر الانفجار فيه سعيا لترك وقع أكبر داخليا وخارجيا دون المبالاة بعدد الضحايا من مصابين أو قتلى.
ولكن ما على النظام السوري معرفته أنه لن يقنع أحدا حقا بأن هذه التفجيرات أتت من جهات إرهابية هي من يقف وراء التحركات الشعبية ضده في مختلف المدن السورية ضمن ما يدعوه الإعلام الرسمي السوري تمرد لعصابات مسلحة.
فالتفجير الأول جاء قبل وصول المراقبين العرب، سعيا لتشويه الصورة قبل وصولهم، وبعد وصولهم والسعي بشكل مستمر لتعطيل عملهم ونشر الأكاذيب حول نشاطاتهم وتقديم صور مضللة لهم في لعبة أصبحت مكشوفة لكل العالم حتى أن الأمم المتحدة عرضت تقديم تدريب كاف لهؤلاء المراقبين لمساعدتهم على أداء عملهم بشكل كاف، كما تصاعدت بالتزامن مع ذلك الدعوات الدولية للتعامل مع الملف السوري ضمن إطار مجلس الأمن جاء التفجير الثاني، وهكذا تبدو دمشق كمن يجد طوق النجاة كلما ضاقت الدائرة حول النظام على يد مفجرين انتحاريين احترفوا اختيار توقيتهم ليتناسب مع النظام الحاكم السوري في صورة تتجاوز الريبة لتصل بالمتابع إلى حد القناعة بالتورط المباشر لنظام الأسد في هذه التفجيرات.
وكلما زاد الأمل بأن النظام سيدرك بعد مرور عشرة أشهر من الثورة أن عليه تغيير تصرفاته والامتثال للإرادة الشعبية بالتنحي، عاد ليثبت تعنته وتصميمه على الاستمرار في طريق القتل والدماء سواء عن طريق رصاص أمنه وجيشه أو تفجيراته المصطنعة متناسيا حقيقة راسخة بأن القمع والتخويف الذي فشل على مدار شهور الثورة السورية لن ينجح الآن، فعشرات الآلاف من السوريين سلكوا سبيل اللاعودة مع نظام ما زال يعيش في الماضي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٧-٠١-٢٠١٢)