ليست الآثار في أيّ مكان من الأرض مجرّد شخوص حجريّة أو خنادق وكهوف ومبانٍ، بل هي كتاب حكمة يتعدّى ما تبصره العين المجرّدة إلى ما ترصده البصيرة النافذة من التاريخ.
وتشكّل المملكة العربية السعودية، عبر مساحتها المترامية الأطراف، بوابة ثريّة ومفتوحة لحقب زمنيّة سحيقة، كانت ومازالت لغزاً يستثير مخيّلة العلماء والباحثين، فمن جبالها الجنوبية حتى حدودها الشمالية، ومن سواحلها الغربية حتى خليجها الشرقيّ، تمتزج الصور التاريخية لتشكّل لوحة أثريّة عميقة الملامح.
إن التنوع الجيولوجي والطبوغرافي للسعودية يشير إلى عصور متوالية من الحضارات، بعضها مدوّن ومحفوظ، وبعضها ذهب أدراج الحوادث والتغيّرات، وهذا التنوع يجمع بين طيّاته أسراراً يتطلع العالم أجمع إلى اكتشافها، إذ إن الكشف عنها يكمّل العديد من الحلقات العلمية الضائعة في تسلسل الحضارة الإنسانية والوجود البشري.
ولم يرتق التعامل مع الآثار في السعودية منذ أن كان تابعاً لوزارة المعارف -التربية والتعليم سابقاً- وحتى مناشط هيئة الآثار والسياحة إلى مستواه الافتراضي من الاهتمام والجدّية، فكنوز الآثار لا تؤخذ على محمل الدراسة الحقيقية، ولم تتعدّ الاستثمار الشكليّ، في الوقت الذي تشكل فيه هذه الآثار ثروة تاريخية وإنسانية لا يعود نفعها على السعودية فقط، بل على التاريخ أجمع.
وليس أدلّ على التعامل الاجتهادي مع الآثار في السعودية مما يحدث من إهمال وإزالة لمواقع مهمّة، يمكن من خلالها رسم خارطة مسار إنساني، بل وجينيّ لحقب متعددة في دورة الحياة البشرية منذ الأزل.
ففي الوقت الذي تحافظ فيه الدول على آثار حديثة العهد منذ مئات السنين، تختفي من على السطح آثار تمتد إلى آلاف السنين دون أن يرف جفن للجناة والمراقبين.
إن العلوم البحثية الحديثة بآلياتها ووسائلها تقفز قفزات هائلة في تحديد السياق الزمني للأماكن والبشر، وباستخدام التقنيات الحديثة والحواسيب المحاكية، يبدو لنا الماضي حاضراً كمسلسل مترابط التفاصيل تشاهده العين وتكاد تشمّ رائحته، لكنّ كلّ هذه التقنيات لا تفيد نفعاً إذا أهملت الشواهد الأثرية التي يمكن تطبيق هذه التقنيات عليها.
إزالة «عين الكعيبة» التاريخية في محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية، وقبلها إزالة «عين الشنيّة»، دون معرفة المسؤولين الحقيقيين لمثل هذه الجنايات، هما حادثتان لهما العديد من السوابق، في جنوب وشمال، وشرق وغرب السعودية، وهي جنايات تاريخية وإنسانية وثقافية، تكمّلها جنايات الإهمال للآثار القائمة في مناطق أخرى.
يمكن النظر بعين الحسرة لشواهد الآثار التي أصبحت رموزاً يتوافد إليها العالم في دول مجاورة، والنظر بعين أخرى ملؤها اليأس للآثار السعودية التي تتآكل يوماً بعد يوم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤) صفحة (١٧) بتاريخ (١٧-٠١-٢٠١٢)