مر عام على الثورة في تونس، وخاضت البلاد انتخابات شهد لها الجميع بالنزاهة، وبدا أن حلم التونسيين في مستقبلهم والذي أنزلهم إلى الشوارع للتظاهر ضد الرئيس السابق آخذ في التحقق، ليفاجأ الجميع بمظاهرات جديدة تجتاح البلاد رفضا من التونسيين للوضع القائم، وليعلن حزب النهضة الذي صعد إلى سدة الحكم «عبر أصوات التونسيين» أنه قد يلجأ إلى القوة لقمع هؤلاء منعهم عن التظاهر.
وفي مصر وبينما تكاد الثورة تكمل عامها الأول، بدأت دعوات لـ «موجة ثانية» من الثورة وعادت المواجهات التي لم تتوقف إلا لفترات متقطعة بين المتظاهرين المصريين والسلطة الحاكمة التي ورغم تغيرها من حكم مبارك إلى سيطرة المجلس العسكري بقيت هدفا لسهام وانتقادات المصريين، وفيما يعلن عديدون بأن ثورة مصر ماتت ينادي آخرون باستمرارها حتى تحقيق أهدافها التي يبدو أن أحدا في مصر لا يتفق عليها.
وفي اليمن ورغم توقيع المبادرة الخليجية تبدو الأمور وكأنها تراوح مكانها، فلا قانون الحصانة لصالح تم إقراره كبند اساسي من المبادرة، ولا الرئيس صالح سلم وأعوانه مقاليد الحكم لنائبه أو لرئيس الحكومة الجديد، بينما تؤدي هذه المماطلة من الطرفين سواء الحاكم أو المعارض إلى تفتت مفاصل الدولة شيئا فشيئا وانتشار التطرف بجميع أوجهه حيث ظهرت بؤر سيطرة جديدة للقاعدة وبدأ الحضور الحوثي ينتشر مع كل ما يحمله هاذان التياران من تهديد لليمن دولة وشعبا.
من نافل القول أن هذه الثورات وهي تطفئ شموع عامها الأول مازالت بعيدة كل البعد عن الشعارات التي قامت لأجلها فلا هي حققت عدالة أو حرية أو مساواة اجتماعية ولا هي أنهت البطالة التي مازالت تضرب طموح وأحلام الشباب ولا هي حتى أنهت ما كانت تمارسه الأنظمة من قمع بحق مواطنيها، وربما كان هذا مبررا في بعضه لقصر عمر هذه الثورات وقلة الوقت المتاح أمامها، لكنه بالتأكيد على علاقة وثيقة بالخلافات الداخلية التي بدأت تظهر بين من اتفقوا سابقا على رفض النظام الحاكم ولكنهم وعند نجاحهم في التخلص منه عادوا لاستخراج خلافاتهم ووضعها أمام جميع الأولويات الأخرى التي يأتي على رأسها إعادة بناء الدولة والسير بها قدما نحو تحقيق آمال وطموحات أبناء البلاد، كي تثبت هذه الثورات أنها كانت تستحق ما قدم من اجلها من دماء وتضحيات وتقدم لأبنائها أملا في المستقبل، أما البديل في حال عدم النجاح في تحقيق التوافق فسيكون غضبا جديدا من الشعوب على من وصلوا بعد ثوراتهم إلى سدة الحكم أملا في إصلاح وضع يبدو فيه حصاد الثورات العربية مراً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٨) صفحة (١٥) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٢)