ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي إعادة قراءة مشهد الاقتصاد الكلي وعلاقته بالتنمية الإنسانية الشاملة وموقع هذه الدول على خريطة مواجهة الفقر والبطالة والمرض، حيث مجتمعات المنطقة من آفات تبدو أنها مستدامة مثل زيادة معدل البطالة وتناسل أزمات البنية التحتية مثل الطرق والتعليم والصحة وحل معضلة العمل اللائق الذي تؤكد عليه كل تقارير منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية التي وضعت مجهرها صوب دول التعاون وأخذت ترصد واقع حال العمالة المهاجرة في هذه الدول، حيث بدأت العديد من المنظمات الإقليمية والدولية في توجيه انتقادات تتصاعد إلى دول مجلس التعاون الخليجي إزاء تعاطي الأخيرة مع العمالة الوافدة، فيما أخذت الدول المصدرة لهذه العمالة الاستعانة بالمنظمات الإقليمية لمناصرتها في توجهاتها ضد دول المنطقة بما فيها البحث الجدي في توطين ملايين العمال الوافدين من جنوب آسيا في دول مجلس التعاون الخليجي.
لم تكن التحذيرات القادمة من مختلف المنظمات الدولية وليدة الصدفة، أو «بنت يومها»، بل هي انعكاس صريح لجزء كبير من حالة التنمية الاقتصادية المشوهة في المنطقة، الأمر الذي قاد المدير العام لصندوق النقد العربي الدكتور جاسم المناعي إلى إطلاق تحذيرات واضحة لدول المنطقة مفادها أن الإستراتيجية المتبعة تحتاج إلى المزيد من المراجعة والإصلاح. ويؤكد المناعي في دورة «سياسات النمو الشامل في منطقة الشرق الأوسط» بأن الاضطرابات الاجتماعية التي تشهدها دول المنطقة سببها «الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها شرائح كبيرة، وأن نسب النمو الجيدة التي كانت تشهدها اقتصاديات عربية لم تصل ثمارها إلى كل شرائح المجتمع». وفي إشارة واضحة لعقم سياسات الدعم وزيادة الأجور، قال المناعي إن هذه السياسة «يجب أن تتصف بالاستدامة لرفع مستوى المعيشة للمجتمع والأجيال المقبلة، على رغم أن هذه السياسات تعمل على التخفيف من حدة المشكلة في المدى القصير»، ولم يغفل طبيعة النمو فهي التي تحدد العلاقة بين نسب النمو المرتفعة وبين تقليص الفقر والبطالة.
ما تحدث عنه المدير العام لصندوق النقد العربي في الثاني والعشرين من شهر يناير الجاري، أكده مؤتمر «الأمن الوطني والأمن الإقليمي..رؤية من الداخل» في بيانه الختامي الذي صدر في المنامة يوم 18 يناير الجاري. فقد أكد المؤتمر في بيانه الختامي الذي بثته وكالة أنباء البحرين الرسمية على ضرورة «مواجهة المتغيرات الإقليمية والتحولات البنيوية التي تواجهها منطقة الخليج العربي بإستراتيجية إصلاح سياسي واقتصادي وأمني وتنموي شامل، وتعزيز المشاركة السياسية وتطوير وسائلها». بل ذهب المؤتمر، الذي حضرته حكومات مجلس التعاون وباحثون من المنطقة، الدعوة إلى تحسين مستوى المعيشة والتوزيع العادل للثروة وتوفير فرص العمل ومكافحة الفساد والحد من الهدر في المال العام وتحقيق العدالة الاجتماعية ومنع التمييز بكل أنواعه بين أبناء المجتمع. كما أوصى المؤتمر «بتعزيز الحريات العامة وآليات التواصل بين كل شرائح المجتمع ومؤسسات الحكم، وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان والرقي بدور وسائل الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي لدعم حرية التعبير وترسيخ مفاهيم المواطنة والانتماء واحترام الرأي الآخر».
أن يتوصل المسؤولون الأمنيون في دول مجلس التعاون الخليجي إلى هذه الخلاصات، يعني أن مسالة الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي هي نتيجة للحكم الرشيد الذي يعتمد الشفافية والإفصاح والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، منهاجا لإستراتيجياته القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، بحيث يجرى التركيز على الفئات والطبقات المهمشة التي اتسعت قاعدتها في السنوات الأخيرة رغم العوائد النفطية المتضاعفة، ورغم تمكن دول التعاون من تحقيق نسب نمو معلنة تتجاوز ضعف ما حققته دول الاتحاد الأوروبي من نسب نمو في بلدانها، ما يؤكد على صحة ما ذهب له المدير العام لصندوق النقد العربي حول طبيعة النمو وعلاقته بالفقر والبطالة.
إذن، ثمة اختلالات واضحة في المنطقة أثرت على مستوى معيشة المواطن، ما زاد من الفئات المصنفة فقيرة بسبب تآكل الطبقة الوسطى في مجتمعات المنطقة نظرا لغياب الإستراتيجيات الواضحة في رفع مستوى المعيشة وفي كيفية التعاطي مع العوائد المالية الفلكية التي تتحصل عليها دول التعاون من أسعار النفط المرتفعة نسبيا، والتي لم تتراجع في العام الماضي عن المائة دولار للبرميل الواحد من النفط الخام، فيما تتوسع مصافي تكرير النفط وتتزايد طاقاتها الإنتاجية وبالتالي تحصيل دول المنطقة على القيمة المضافة من عملية التكرير وبدء تصاعد قدراتها التصديرية من الصناعات النفطية التحويلية.
أمام هذه التحذيرات التي أطلقتها فعاليتان متزامنتان في المنطقة: أبوظبي والمنامة..فهل نحن مقبلون على إعادة قراءة جدية للمشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في دول التعاون التي تقع في إقليم يتسم بحراكات سياسية وأمنية غير متوقعة؟
ربما يكون هذا السؤال يشكل في الفترة المقبلة التحدي الأكبر لأكثر من موقع متخصص في صياغة القرارات الاقتصادية والتنموية والسياسية والاجتماعية بدول مجلس التعاون الخليجي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٤) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٧-٠١-٢٠١٢)