الدماء التي سالت من رجال مكافحة المخدرات أثناء أداء واجبهم؛ لا تقلّ أهمية عن دماء إخوانهم رجال الأمن الآخرين، الذين واجهوا الأخطار وقدموا حياتهم فداء للوطن، أو أصيبوا. وكل مواطن يموت أو يُصاب أثناء أدائه واجباً من الواجبات، هو رمز في الضمير الوطني. هو صورة مشرّفة تختزل تفاصيل كثيرة حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن الوطن والمواطن.
وعلى مدى السنوات القليلة الفائتة قدّم جهاز مكافحة المخدرات الكثيرين من خيرة شباب الوطن، في مواجهات دامية وقعت لأن هناك من يتربّص ببلادنا شراً، ويريد أن يتربّح ويُثري من خلال الاتجار بالمخدرات. وقف رجال المكافحة بالمرصاد لمحاولات التهريب والبيع والترويج، لأن المتورطين في كل ذلك يمثلون ـ في رمزيتهم ـ جيشاً لا يقلّ خطراً عن الجيوش المسلحة المعادية.
تصدّى رجال المكافحة ببسالة، وواجهوا الحرب المعقدة بجاهزية، وخاضوا غمار المعارك المستمرّة لأن عقيدتهم الدينية وحسهم الوطني أقنعهم بأن المخدرات عدوٌّ مؤكد وخطر ماثل، وسمّ يتسرّب عبر الحدود إلى المدن الآمنة والقرى الوادعة والمواطنين الأبرياء، وينهش في الاقتصاد، ويتسبّب في كثير من الآفات المدمّرة.
وقف رجال المكافحة في الصفّ الأول لحائط الصد؛ فسقط بعضهم عند حواف الحدود، وسقط آخرون في مواجهات داخل الحدود. وبالقدر الذي خسرت أسر سعودية أبناء لها في هذه المواجهات العنيفة؛ فإن الوطن لم يربح شهداء فحسب؛ بل مثل هؤلاء الشهداء منحوا الوطن أدلة متتالية على قيمة التضحية المتأصلة في رجال المكافحة.
استشهاد رجال المكافحة أعطى إضافة نوعية وشكلاً آخر من أشكال شهداء الواجب. ولذلك فإن على المجتمع أن يؤدي دوره تجاه هؤلاء الشهداء بكل مسؤولية. وقد طرحت إدارة المكافحة رؤيتها بفخر واعتزاز حين ركزت على إبراز الثمن البشري الذي دفعه الوطن في أعمال المكافحة، وهو موقف يُحسب لها. ولكن المطلوب أكثر هو أن تواصل الإدارة من أجل أن يكون شهداء المكافحة أبطالاً وطنيين في الفعاليات الإعلامية التي تنظمها الإدارة، وكذلك في الفعاليات العلمية والمؤتمرات والملتقيات.
صحيح إن دم هؤلاء الشهداء لم يذهب سُدى، ولم تُهمل أسرهم وأطفالهم، بل احتُضنت بحنان الدولة وشُملت بسخاء القيادة. ولكنّ هناك المزيد ليقال عن هؤلاء البواسل الذين جابهوا جيوشاً خطرة بحياتهم، وقدموا أثمن ما يملكون فداءً لأمن الوطن وسلامة مواطنيه في واحد من أشدّ الجوانب خطورة وحساسية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٩) صفحة (١٩) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٢)