رأيت فيما يرى النائم أن شيخاً مهيباً يتجه إلي وقد علاه الوقار، اقترب مني حتى كادت ركبتاه تلامس ركبتيّ وحدّق في وجهي وقال “يا بني: إنني أراكم قوما للتعايش فيما بينكم لا تحسنون، لا تراحم ولا تواد بينكم ولا تكافل تفعلون، وبينكم من الفرقة الشيء العجيب، ومن بين وزاراتكم وزارتان، واحدة للأغنياء وأخرى للفقراء، ليتكم بينهما تبادلون، لتلغوا التفرقة فيما بينكم، ولينتثر الخير على الجميع، فقراء وأغنياء، ألا ترون يا بني أن أغنياءكم مرضى، وفقراءكم جوعى، ولم يسلم منكم أحد؟ خيركم كثير وفقركم كبير، وزارة الأغنياء تغدق أغنياءها، ووزارة الفقراء ترهق فقراءها، هذا أمرضته التخمة، وذاك أعيته الفاقة، أيعقل أن فيكم من بالفقر يشعرون وميزانيّتكم تربو على التريليون؟ ما لكم كيف تتصرفون؟ وما هذا الذي بأنفسكم تصنعون؟
يا بني: “احمل وصيتي إلى قومك، لعلهم من الخير يغنمون، ولسبل الفلاح يسلكون، ولفقيرهم من غنيهم يأخذون، فإن لم تفعلوا ولا أظنكم تفعلون، فقد برُأَتْ منكم الذمة، وحلّت عليكم النقمة، وما هي إلا عاقبة النعمة، أنتم مما حولكم لا تتعظون! هنا قوم من فعل الزمان يبكون، وهناك قوم سيوفهم على رقابهم يسلطون، وقوم يرون فيكم الغنيمة ويتصيدون، وقوم لكم مهما فعلتم من أجلهم مبغضون، وأنتم قوم عن كل هذا غافلون، ويلكم إن كنتم لا تتنبهون، وإلى نصيحتي لا تصغون، ومما حذرتكم لا تحذرون”.
وانصرف عني، وصحوت من نومي وليتني سألته عن الوزارتين، يا ليت، يا ليت! افتوني إن كنتم للرؤيا تعبرون؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٢)