رغم مرور أكثر من عام على «الربيع العربي» الذي عصف بالعديد من المجتمعات العربية وتسبب في تطييرأربعة رؤساء حتى الوقت الراهن، فيما ترجح المعطيات الحالية إمكانية تطييرمزيد من الرؤساء والرؤوس…رغم ذلك، فإن كثرة من المجتمعات العربية ومجتمعات المنطقة لاتزال تعاني نفس الأعراض التي قادت إلى الانتفاضات والثورات العربية طوال العام المنصرم.
إن أهم الأسباب التي قادت إلى خروج ملايين العرب إلى الساحات والشوارع احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية والتي تزيد سوءا كلما تمدد الفساد المالي والإداري ليحتل مساحات أكبر في خريطة الاقتصاد والسياسة والإدارة العامة. فخلال العقود الأربعة الماضية عانت الإدارات في دول المنطقة من تراجع كبير في أدائها بسبب المحسوبية والرشوة وتراجع تطبيق القانون إلى مستويات خطيرة، وبناء على ذلك تم تأسيس بنية متكاملة من شبكات الفساد التي لم تجد قوانين رادعة تلجمها، وإن وجدت هذه القوانين لاتجد في أغلب الأحيان طريقها إلى التنفيذ.
والآونة الأخيرة حذرت دراسات عدة من استمرار تآكل الهياكل الإدارية في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية واستشراء الفساد الذي توسعت تأثيراته السلبية لتصل إلى مفاصل الاقتصاديات الوطنية في المنطقة. وأفادت دراسة اقتصادية بأن 39% من المسؤولين في الشرق الأوسط يلجأون إلى الرشاوى وممارسة الفساد لإتمام صفقاتهم، وهي نسبة توازي تقريبا ضعف الحالة على المستوى العالمي. وتقول شركة «برايس ووترهاوس كوبر» أنها أجرت مقابلات مع 126 مديرا تنفيذيا في المنطقة لتصل إلى هذه الخلاصة التي كشفت أيضا أن 28% من المديرين التنفيذيين تأثروا بعمليات اختلاس ودفع رشاوى وتزوير في كشوفات السحوبات وتصاعد الجرائم الالكترونية. الأدهى من ذلك تقرر الدراسة أن أغلب حالات الفساد يتم اكتشافها عن طريق الصدفة، نظرا لغياب الدورالواضح والمؤثر لعمليات التدقيق الداخلي. هذا الوضع جعل الرئيس التنفيذي لشركة «موني ترانسفيرانترناشونال» اولغا ميتلاند أنه «لاشيء جديد، الفساد مستمر منذ سنوات، لكن الآن أصبح بمثابة فيل في غرفة يواجه الجميع».
ربما الفيل الذي تتحدث عنه المسؤولة المالية العالمية لم يعد في الغرفة بقدرما هو يجوب الشوارع كالبقرة الهندوسية يتبرك منها المارة لعل وعسى يحصل أحدهم على عقد أو صفقة من تحت الطاولة. والبائن أن المعطيات التي قادت للاحتجاجات في العديد من الدول العربية لاتزال قائمة، والاستثمارات التي يتم الغرف منها النسب لاتزال تسير وفق معدلات متصاعدة مع احتياجات الاقتصاد العالمي للمواد الخام المتركزة في دول الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث تشير بعض المعلومات إلى أن الدول المصدرة للنفط «أوبك» تستثمر نحو 300 ملياردولارلزيادة الطاقة الإنتاجية للمنظمة بمعدل يقترب من الثمانية ملايين برميل في اليوم، وهي زيادة ضخمة في ظل بلوغ العديد من دول المنطقة إلى المستويات القصوى من الإنتاج، كما هو الحال مع الكويت التي تخطط لزيادة إنتاجها ليكون بمعدل مليون برميل في اليوم بحلول العام 2030. وتتوجه إيران رغم إعلان الحصارات الدولية المتعددة عليها إلى استثمار نحو 36 مليار دولار في إنتاج النفط، وتسعى حاليا لإبرام عقود بخمسة عشر مليار دولار. أما الدول الأفريقية التي تتطلع لها الشركات النفطية العالمية على أنها الاحتياطي القادم لامحالة، فإن أهميتها تزداد مع ازدياد التوتر في المنطقة ويضعها في موقع تفضيلي إذا ما تصاعدت الأحداث الأمنية وتطورت إلى أفعال عسكرية صريحة.
وأمام استمرارالاستثمارات والعقود والبحث عن الثروات في باطن الأرض، ستظل الشركات الكبرى والمؤسسات المحلية في حالة تأهب قصوى بحثا عن زوايا جديدة يمكن للفساد من خلالها إحداث عملية اختراق من شأنها زيادة البؤس في المنطقة التي تعجزأغلب بلدانها من توفيرالحياة الحرة الكريمة لمواطنيها، حيث تعشعش البطالة وتتحول إلى جزء من البناء التحتي «الضروري» لهيكلة الاقتصاد، وحيث يحرم المواطن من مسكنه الذي كان يحلم به منذ عقود، فيما تتبخر فرص العمل الجديدة لحساب صفقة وهمية هنا أو محسوبية هناك لتزيد من تعقيد المشهد الداخلي المعقد أصلا.في دول منطقة اليورو يسعى قادة الاتحاد الأوروبي إلى تقديم العلاج المر للاقتصاديات المتعثرة كما هو الحال مع اليونان المهددة بالإفلاس، ويتجهون لوضع قواعد صارمة ترتكز إلى الرقابة على موازنات دول الاتحاد، والذي يتطلب التواجد المكثف لعمليات التدقيق الداخلي قبل وصول جحافل التدقيق الخارجي للاقتصاديات الوطنية. وهي خطوة على طريق إخراج منطقة اليورو من دائرة التذبذب والتجاذبات إلى واحة الاستقرارالمالي وصولا للأداء الاقتصادي المنشود.
وفي البلدان العربية تحتاج الحكومات إلى مشروعات عملاقة لاستنهاض الاقتصاديات الوطنية وإخراجها من مستنقع الفساد الإداري والمالي الذي بدأ يؤتي أكله على شكل احتجاجات وتطيير للرؤوس التي لاتنصت إلى صوت الريح.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦١) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٣-٠٢-٢٠١٢)