بدأ النظام السوري استراتيجية جديدة في مواجهة معارضيه الذين يطالبون برحيل الرئيس بشار الأسد ونظام البعث عن حكم البلاد.
فبعد 11 شهرا من القمع الدموي الذي لم ينجح في وقف التظاهرات السلمية بل زاد من عنفوان الثورة دافعا آلافا من عناصر الجيش للانشقاق عن النظام الحاكم رافضين توجيه رصاص بنادقهم إلى صدور أبناء وطنهم، وبعد وقوف المجتمع الدولي إلى جانب المتظاهرين وحقهم في اختيار مستقبلهم، وبعد رفض الجامعة العربية التغطية على ما يحدث في سوريا عبر الإبقاء على بعثة المراقبين العرب هناك، شعر النظام السوري بأنه لا يملك ما يخسره بعد الآن على الجانبين الإقليمي والدولي فلجأ إلى ورقة أخيرة هي تجويع المتظاهرين ومنع الماء عنهم، فكان أن بدأ أولا بالترويج بشكل محموم إلى تسمم مياه الشرب التي تغذي دمشق بشكل يحمل في طياته تهديدا مبطنا بمنعها فعلا عن معارضيه، وهي خطوة سبقها بمنع الدقيق عن المناطق المنتفضة ضده وإغلاق المخابز فيها عنوة كي لا يتوفر الخبز للمعارضين.
ولعل هذه التصرفات توضح إلى أي حد يمكن أن يذهب النظام السوري في قمعه للمتظاهرين لمجرد البقاء على كرسي الحكم فمنع الطعام والماء عن مدن بأكملها لا يستهدف وقف مظاهرات أو تحجيم حركة معارضة، بل هو تهديد للجميع من معارضين وموالين ومحايدين رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا بمواجهة مجاعة حقيقية ووضع إنساني مدمر لا يمكن التعامل معه إلا عبر عمليات إغاثة واسعة المستوى ومنسقة دوليا، فتوفير الماء والطعام لمدن كاملة أو حتى مدينة واحدة فقط أمر لا يستطيعه الثوار السوريون.
والأهم أن هذه العقلية التي تجعل حصار مدن كاملة ومنع الطعام والماء عنها تصرفا ممكنا يعود بنا إلى عصور طواها التاريخ كان الحصار فيها هو العقلية الحاكمة لمواجهة المعارضين وهي عقلية تجاوزتها البشرية بإقرارها قوانين تحرم مثل هذه التصرفات.
والنظام السوري كما يبدو يعمل بعقلية تجاوزها الزمن، ويظن أن بإمكانه المضي قدما في سياسة التجويع هذه بينما العالم يراقب دون تدخل معتمدا على الدعم الروسي والصيني الذي يمنع أي إدانة له عالميا والنظام الإيراني الذي يدعمه إقليميا لكن ما يجب على دمشق وقبلها موسكو وطهران إدراكه أن هناك حدودا لما يمكن لهما أن يفعلاه لنظام سقط فعلا بين أوساط شعبه بعد أن أصبح يقتلهم ويجوعهم ويمنع عنهم الماء، وأن أي دعم له سينقلب في النهاية على داعميه بعد أن يحدث المحتوم ويرحل الأسد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٢) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٤-٠٢-٢٠١٢)