نحن في منطقة الخليج نقرأ التجربة الديموقراطية في الكويت الشقيقة؛ بوصفها منطقة اختبار كُبرى للحراك السياسي في منطقتنا التي لا تزال تنتمي إلى العالم الثالث ديموقراطياً. نراقب الإخوة الكويتيين وهم يفرضون صوت الشعب على التشريعات وعلى الأجهزة التنفيذية، ويحاسبون كبار المسؤولين على أقلّ الأخطاء بتدقيق هو أقرب إلى المثالية، منها إلى المحاسبة الواقعية.
قد نُعجب بهذه القوة الآتية من صناديق الاقتراع أساساً، والمحكومة دستورياً وقانونياً بأصول حازمة وجازمة. إنها قوة قادرة على إزاحة وزير من وزارته، وإحراج مسؤول رفيع بلا مواربة. قد نجد في هذا الكيان الحبيب الكثير مما لم نجده في السواد الأعظم من البلاد العربية، وقد تذهب أحلام آخرين إلى بلوغ ما بلغه الإخوة الأحبة في الكويت الحبيبة.
إلا أن التجارب المتتالية لمفاعيل الديموقراطية الكويتية لا تشجِّع الساسة العرب على السير في اتجاه الديموقراطية، خاصة على الطريقة الكويتية، وربما لا تشجِّع كثيراً من الشعوب أيضاً. نقول: «ربما»، ولم نقل «قطعاً». فالكويت، هذا البلد الصغير في مساحته الكبير في قلوبنا، يحتضن ألواناً ملوّنة من الاتجاهات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي أفرزت ـ بدورها ـ ألواناً سياسية. ومثّلت تجربة الديموقراطية فيه جوهر الصراع والتنازع الثقافي والسياسي، إلى حدّ أن هناك ما يُمكن اعتباره تقدماً لصالح الحكومة أكثر مما هو لصالح الشعب.
وعادة ما تسبق الشعوب حكوماتها في السياسات، ولكن شعوب الخليج ضربت مثالاً معكوساً في بعض المفردات السياسية. وعلى سبيل المثال؛ أتاحت الحكومات للمرأة حقوقاً سياسية، ولكن الشعوب رفضت هذه الحقوق حين جاءت صناديق الاقتراع. والمعنى؛ هو أن الآلية الديموقراطية كفلت أن تسود الأفكار التي سبقت ولادة الديموقراطية نفسها. ولهذا السبب سخنت الساحة السياسية في الكويت كثيراً، وقدَّمت نموذجاً حاداً وقاسياً للحراك الديموقراطيّ، وصار تغيير الحكومات عادة برلمانية تجرّ معها صداعاً مستمراً للمواطن الكويتيّ الذي ينتظر الكثير من بلاده.
هذه السخونة الديموقراطية وهذا الصداع البرلمانيّ؛ هما مما يثبّط التطلعات الإصلاحية في دول المنطقة. إنهما سببان فيهما الكثير من التبرير للساسة العرب ليؤجلوا مشروعات التغيير استناداً إلى تفسير يفضّل الإمساك بزمام الأمور على منحها لكافة الناس، ومن ثم تدخل البلاد في صداع الصراع الثقافي والاجتماعي، وغيره من خلفيات الأطياف.
المنتظر من أحبتنا في الكويت ألا يزيدوا وجل الحكومات وقبلها الشعوب من صناديق الاقتراع أكثر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٤) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٦-٠٢-٢٠١٢)