لا يؤخذ من أحد مال إلا بعدل، سياسة وشريعة انتهجتها المملكة، وتربت أجيال على أساسها على مر السنين في المدرسة التي رسخت مبدأ تحريم أخذ أموال الناس بغير حق، وشدد عليها آباؤنا في تنشئتنا لدرجة تعظيم السرقة حتى لو كانت قلم رصاص، وحين أصبح لكل فرد أسرة تعيش تحت سقف بيته التمليك أو الإيجار أو الصفيح، فهمنا معنى أخذ الأموال دون عدل، لأن رسوم الخدمات التى من المفترض أن تكون رمزية أصبحت تحتاج إلى دخل خاص، ويتنافس على زيادتها المتنافسون!
ففي الوقت الذي لا تسمح فيه قوانين الدولة بأخذ رسوم على التعليم، يقوم المركز الوطني للقياس بتطبيق رسوم على الاختبارات، التي استُحدثت في السنوات الأخيرة فقط لحصد جيوب الطلبة، وإحباط نسب المتفوقين في مراحل الثانوية، وعلى الرغم من التبريرات العديدة التي قيلت إلا أنها لم تعلن بمنطقية إلى الآن عن المستفيد الحقيقي من ريع تلك الرسوم: هل هو مركز القياس، أم الدولة أم وزارة التربية والتعليم؟ ومن الذي بحاجة ماسة لأموال الطلبة؟! وعلى أي أساس اخترع مركز القياس جباية الرسوم، مع أن اختباراته ليست مقياسا ولا تماثل اختبارات (التوفل)، وتأتي من خارج المنهج دائماً؟! الدولة تتكفل بتكاليف ورسوم ابتعاث آلاف الطلبة في الخارج بالعملة الأجنبية، ولا يعجزها تغطية رسوم القياس، وأرى في ذلك تناقضا كبيرا وإجحافا بحقوق الطلبة في الداخل.
التعليم لدينا ما زال تحت الصيانة والتطوير، فهل الأجدر أن نبدأ التطوير بفرض رسوم، أم بترسيخ نظام علمي بأُسس ومعايير عالمية؟!
وفي جباية أخرى يدفع المواطن الذي يبني منزلا مبلغا يتراوح بين 1250 إلى 26 ألف ريال ثمن تركيب «ماسورة» مياه ليتم فيما بعد توصيلها بألف ريال في عداد المياه، وفي حالات عديدة يضطر صاحب المنزل (البناء) إلى تغيير ونقل العداد إلى مسافة متر أو مترين في نفس موقع الإنشاء بسبب بعض الأخطاء التي يرتكبها المقاول أو العمال في التنفيذ، فتشترط بيروقراطية مصلحة المياه على صاحب المِلك أن لا يتم النقل إلا بمعرفتهم، ويتم ذلك عادة بعد عدة أسابيع قد تمتد إلى أشهر، ليحصدوا خمسمائة ريال إضافية في مهمة لا يتكلف إنجازها سوى نصف ساعة مع سباك بـخمسين ريالا، وإذا تم نقلها بمعرفة صاحب المنزل تغرمه مصلحة المياه غرامة مالية لتحصد بضع مئات أخرى من الريالات!
كما يكلف تركيب عداد الكهرباء بين 2100 – 5100 ريال، وتوصيل الكهرباء إلى المنزل يكلف ما بين ألف و19 ألف ريال وأكثر، وأغلب المواطنين الذين حالفهم الحظ وحصلوا على قروض للبناء، يواجهون انفلاتا رقابيا أمام السرقة العلنية التي يتعرضون لها من مافيا المقاولين (اللي ما حولهم أحد) بل أصبحت أسواقنا مرتعا لسرقاتهم هم الآخرون لأنهم تعرفوا على الثغرات في القانون، لذلك تجد الكثير من المواطنين يعانون تكدس الديون في سبيل إنهاء تشطيبات المسكن، ويجلس البعض محاصرا في ملكه الذي قضى سنوات من العمل والشقاء ليأخذ قرضا لبنائه، فتبتزه رسوم الخدمات وغراماتها المُبالغ فيها، فأي نظام ربحي تعتمد عليه مصلحة المياه والكهرباء؟!
تُشعرنا تصريحات بعض الوزراء بأننا عبء على الدولة، وكأننا لا نعمل طوال حياتنا أكثر من تسع ساعات في اليوم، ولا أدري على أي أساس بنى المهندس وزير المياه والكهرباء تصريحه، بأن (62% من الشعب لا يدفع سوى خمسين ريالاً شهريا للفاتورة، وأن الوزارة تأخذ رسوماً رمزية للماء والكهرباء لا تتجاوز الـمائة ريال)، ومع ذلك لا يتم إعفاء المعسرين ويتم قطع الكهرباء عنهم دون خجل، والسؤال الذي قفز إلى ذهني: هل يدفع الوزراء فواتير كهرباء مثلنا؟!
نظام ساهر مثال آخر على جباية أموال الناس، حيث لا يؤدي هذا النظام في الأساس واجبه على أكمل وجه مقارنة بقيمة تكلفته، فهو لا يُغرم الذين شيدوا الطرقات الرديئة التي كانت سببا وراء العديد من الحوادث، ولا يغرم الأمانات التي تهمل وتتجاهل الحفريات في الطرق، حيث تضررت ظهور المواطنين وسياراتهم، كما لا يغرم من يلقي بالقمامة من شباك سيارته أو يبصق في إشارات المرور، ولا من يقضي حاجته على جانب الطرق السريعة وداخل البلد في عملية خدش للحياء العام، ويتجاهل تغريم الأمانة وهيئة الطرق التي لم تضع دورات مياه على الطريق! ومع ذلك ما يحصده هذا الجهاز يوازي ميزانية دولة فأين تذهب؟
قائد الدولة حفظه الله أعلن لأبناء شعبه بكل شفافية تفاصيل ميزانية هذه السنة الجديدة، ونحن ننتظر ونأمل من جميع الوزراء أن يحذوا حذوه ويتبنوا نفس المنهج الشفاف في توضيح تفاصيل جهات الإنفاق المحددة لكل وزارة، وعلى ماذا ستنفق الرسوم التي تحصدها تلك القطاعات على الرغم من حصولها على نصيب كبير من الميزانية، وقبل أن يظهر أي مصدر مسؤول يفضل «عدم ذكر اسمه» ويتهمني بأنني أريد كل شيء مجاناً، أوضح أن الرسوم خرجت عن المألوف بشكل مبالغ فيه، فإلى أي هاوية تأخذنا إليها جباية الرسوم المتزايدة في ظل تصريحات وسجال من مصدر مسؤول (يرفض ذكر اسمه) ينكر أن ذلك ليس له أساس من الصحة، وكأننا نعيش في كوكب وهو في كوكب آخر ومسلسل الرسوم لا ينتهي في حصد مزيد من الجيوب!

هالة القحطاني
كاتبة وقاصة من مواليد الخبر - خريجة بكالريوس آدب إنجليزي من جامعة الملك عبدالعزيز - صدر لها مجموعة قصصية باسم (قفص… المزيدكاتبة وقاصة من مواليد الخبر - خريجة بكالريوس آدب إنجليزي من جامعة الملك عبدالعزيز - صدر لها مجموعة قصصية باسم (قفص العصافير)
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٦) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٨-٠٢-٢٠١٢)