جاءت كلمات خادم الحرمين الشريفين- حفظه الله- في الجنادرية أمس لتعبر عمَّا يختلج في نفوس الملايين في أنحاء المعمورة بعد ما حدث في مجلس الأمن.
فحين رفضت روسيا والصين الموافقة على «خطة سلام» قدمتها الجامعة العربية لإنهاء الأزمة في سوريا، بدا وكأنَّ الفيتو أصبح أداة لتبرير القتل والسماح باستمرار ارتكاب المذابح، وبدا أنَّ مجلس الأمن والأمم المتحدة أصبحا عاجزين عن التدخل لحماية المدنيين أو وقف الحروب وهما من الأهداف الأساسيَّة التي قامت الأمم المتحدة من أجلها.
فمشروع القرار الذي رفضته «القوتان العظميان» لم يكن يستهدف أحداً ولا يهدد بغزو أو حرب بل فقط يسعى لضمان الحد الأدنى من الحماية للمدنيين في سوريا.
ولكن حتى هذا الهدف البسيط سقط تحت وطأة المصالح وحسابات المرابح والخسائر في تجاهل واضح للدماء التي تسيل وصرخات النساء والأطفال.
إنَّ الصورة التي نقلها هذا الفيتو لملايين البشر حول العالم هي أنَّ هذه المؤسسة لم تعد فاعلة كما يجب أن تكون، ولم تعد موضع ثقة ولا يمكن أنْ تطمئن شعوب العالم لها، فمنع دول العالم من التدخل لوقف المذابح هو بشكل أو آخر قبول لها وغطاء لاستمرارها، ما ينقل صورة مخيفة للشعوب عن طبيعة العالم الذي تعيش فيه وطبيعة المنظمة التي تمثل مجلسه الأهم.
والظن بأن دولة ما تستطيع التحكم في الأمور حول العالم وتسييرها لتحقيق مصالحها الخاصة هو شكل من أشكال الوهم التي سوف تتحطم على صخور الواقع، فالشعوب أصبح لها صوتها، والمواقف أصبحت محسوبة على أي طرف والثمن لابد أنْ يدفع عاجلاً أو آجلاً.
إنَّ من يريد للأمم المتحدة أن تبقى مرجعاً لدول العالم كي تعود لها لحل خلافاتها ومشكلاتها عليه أن يحرص أن تبقى هذه المنظمة حاملة للواء العدل والإنصاف والسعي لما يحقق مصالح هذه الدول والشعوب لا ما يحقق مصالح بضعة دول تملك حق تعطيل أي قرار في المنظمة، والعمل على تسخير قرارات الأمم المتحدة لمصالح هذه الدول أو تلك ؛سيجر دول العالم على حل مشكلاتها خارج إطار المنظمة ولن يكون له الحق لاحقا في التذمر من خطوات أو قرارات تتم خارج أروقة هذه المنظمة ضمن مؤسسات قائمة أو قد تقوم لإنهاء أزمة هنا أو هناك.
وكما قال خادم الحرمين: «الدول مهما كانت لا تحكم العالم كله أبداً، بل يحكم العالم العقل، يحكم العالم الإنصاف، يحكم العالم الأخلاق، يحكم العالم الإنصاف من المعتدي».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩) صفحة (١٥) بتاريخ (١١-٠٢-٢٠١٢)