التصريحات التي يُطلقها وزير العدل بين الحين والآخر حول تنظيمات الأحكام البديلة؛ تبشّر بالكثير من الإيجابيات. وواقع الأمر هو أن الأحكام البديلة بدأت فعلياً في عدد غير يسير في محاكم المملكة. بدأ التطبيق قبل التنظيم ليكون مرحلة اختبارية في الدوائر القضائية يُستخلص منها قواعد تنظيمية لما يمكن أن يستمر من الأحكام البديلة وما يمكن أن يتمّ التوقف عنه. لعلّ الوزارة أرادت ذلك، أو أرادت شيئاً آخر، هو تحفيز القضاة وتهيئتهم لتجريب مزيد من الاجتهادات القضائية التي تعزّز الأهداف الإيجابية من الأحكام.
حين يجنح حدث، أو يقع شاب في جريمة غير خطرة، ويكون العقاب تربوياً أو خدمياً يعود بالنفع على المجتمع، فإن في مثل هذه الأحكام إصلاحاً ذاتياً للمحكوم عليه، وتحفيزاً له على أن يكون نافعاً ومنتجاً وخيرياً عبر ممارسة عملية يتولاها لصالح مجتمعه ولصالح نفسه قبل كل شيء.
لا توجد عقوبة في العالم كله هدفها استعادة ما حدث، أو منعه. الساعة لا تعود إلى الوراء والزمن لا يتوقف، وما حدث ترك أثره، سواء كان حادثاً أم جريمة. ولذلك؛ فإن الهدف الأبعد لكل عقوبة هو منع حدوث جريمة مماثلة. أيّ أن الهدف هو ردع الآخرين. ومهما كان الحكم القضائي؛ فإن المشرّعين ومفسري التشريعات والعاملين على تطبيقها يهمهم وضع حد للجريمة مهما كانت صغيرة.
وتأتي الأحكام البديلة لتعزّز الإجراء العقابي ليكون فعلاً نافعاً ومثمراً وذا دلالة واعية في نفس المحكوم عليه. وقد توصّلت كثير من الدول إلى هذه النوعية من الأحكام لأسباب متعددة، من أهمها تجنيب الجانح نفسه الاختلاط بالمجرمين العتاة، ومنها توفير التكلفة على ميزانيات السجون والإصلاحات. ولكن السبب الأكثر وجاهة هو توجيه رسالة للمدان نفسه، مفادها أنك أسأت وبإمكانك أن تحسن.
وفي الأمور القضائية الإسلامية الكثير من المرونة الشرعية في تطبيقات الأحكام البديلة، خاصة القضايا التي لا تدخل في الحدود الشرعية، وكذلك في القضايا التي تمثل اعتداءً على نفس أو عرض أو مال.
وبما أن بعض المحاكم قد طبّق فلسفة التعويض بأحكام بديلة؛ فإن واجب الوزارة أن تُنهي عملها في تنظيم هذه النوعية من الأحكام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠) صفحة (١٧) بتاريخ (١٢-٠٢-٢٠١٢)