يبدو المشهد السياسي المصري غامضا رغم مرور عام كامل على مغادرة الرئيس المصري السابق حسني مبارك منصب الرئاسة وتولي المجلس العسكري الأعلى مقاليد البلاد، فرغم صدور إعلانات دستورية متتالية، وإجراء انتخابات البرلمان، وتحديد موعد لانتخابات الرئاسة، لا يبدو الخط السياسي المصري في المستقبل القريب أو البعيد واضحا.
ولعل السبب الأكبر في هذا الغموض هو عدم وضوح مواقف القوى السياسية التي برزت في المشهد السياسي المصري وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وتيار السلفيين بعد فوزهما العريض في البرلمان المصري حيث يبدو السلفيون دون أجندة واضحة داخليا في علاقتهم مع المجتمع المصري أو خارجيا في علاقاتهم مع الدول المحيطة بهم والعالم، فكل ما يقدمونه هو نظريات واسعة تثير القلق أكثر مما تبعث على الاطمئنان داخل المجتمع المصري، أما خارجيا فلا إشارات على الإطلاق منهم نحو ما يمكن أن يطبقوه على مستوى العلاقات الدولية.
وإن كان السلفيون يبدون دون برنامج بسبب قلة الخبرة في العمل السياسي، فالإخوان يظهرون كمن يطبق أجندة سرية لا يعلنون عنها إلا فجأة ودون مقدمات، فهو أعلنوا سابقا أنهم مع المجلس العسكري بكل ما لديهم من قوة، ثم هددوا بثورة ثانية بعد إعلان المجلس لوثيقة مبادئ فوق دستورية للبلاد، وأكدوا تأييدهم لحكومة الجنزوري لإدارة الفترة الانتقالية في البلاد ثم عادوا للحديث عن رغبتهم في تشكيل الحكومة، وقبلها قالوا أنهم لا يريدون التدخل في حكم البلاد ولن يرشحوا رئيسا منهم، ثم عادوا للمطالبة بنظام مشترك (برلماني رئاسي) لإدارة مصر ما يجعل لهم (وهم يمثلون الكتلة الأكبر في البرلمان) يدا طولى في التحكم بالقرارات السياسية والسيادية في البلاد، وأيضا تعهدوا سابقا بعدم خوض الانتخابات في أكثر من 40% من دوائر الانتخابات البرلمانية ليعودوا ويخوضوا الانتخابات في جميع الدوائر الانتخابية دون استثناء.
وهذه المواقف المتتالية من الإخوان والتي تلخص غموضا في التحرك وسرية في التخطيط قد تكون مفهومة بسبب إرث حركة الإخوان المسلمين من العمل السري داخل مصر، والحظر الذي بقي يلاحق الجماعة لسنين طويلة، وهو ما كان يدفعها دائما لأن تعلن غير ما تضمر، ولكن الآن وبعد انتقال الجماعة إلى العمل العلني لم يعد ممكننا لهذا التفكير الاستمرار فهو يثير قلقا لدى الشعب المصري من جماعة مسيطرة لا يعرف أحد ماذا تريد فعلا، ولدى المجتمع الدولي من تيار سياسي لا يمكن تحديد أهدافه. وإن استمر الوضع السياسي المصري رهين قلة خبرة السلفيين وعدم وضوح الإخوان فإن الوضع في مصر مهدد بانقلاب كبير فالبلاد بأهميتها المحورية في المنطقة لا تحتمل غموضا في مواقفها أو تخبطا في قراراتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٤) صفحة (١٧) بتاريخ (١٦-٠٢-٢٠١٢)