بعد دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بالانتقال من حالة التعاون التي اتسم بها المجلس منذ تأسيسه في العام 1981، إلى حالة الاتحاد بين أعضاءه الستة، برزت جملة من التساؤلات عن الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف الذي هو في الأصل مطلب شعبي أيضا ولايمكن لعاقل رفضه.
والانتقال الفعلي من مرحلة التعاون الحالية إلى مرحلة الاتحاد، يتطلب قراءة جادة للمعطيات التي تحكم التعاون بين دول التعاون والتي يبدو أنها حققت نجاحات في جوانب وفشلت في أخرى، فيما تسير خطوات الاتحاد الأوروبي بثبات نحو الوحدة الاندماجية رغم أنه يتكون من 27 دولة متعددة الثقافات واللغات، مقابل تشابه يقترب من حد التطابق بين مجتمعات دول المجلس تاريخيا وحاليا.
تتسم دول مجلس التعاون الخليجي الست بمواصفات مشتركة من حيث جغرافيتها وطبيعة اقتصادياتها ودخلها القومي. ويبلغ عدد سكان دول مجلس التعاون أكثر من 42 مليون نسمة، وتبلغ مساحة دوله 2423.3 ألف كيلومتر مربع، ويشكل الوافدون أغلبية في أربع من دول التعاون وهي قطر التي تصل فيها نسبة المواطنين 13% والإمارات بنسبة 19%، ثم الكويت بنسبة 32% ولحقتها البحرين مؤخرا بنسبة 49%، بينما لاتزال المملكة العربية السعودية تتمتع بأغلبية مواطنة تصل إلى 73% وعمان بنسبة تتراوح ما بين 60 و65%. وتشير دراسات أن إجمالي العرب الوفدين لا يتجاوزون 20% من إجمالي عدد الوافدين في دول المجلس.
وتنتج دول التعاون 15 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو22% من الإنتاج العالمي، وتتمتع بنحو 45% من احتياطي النفط، كما تنتج 14% إنتاج العالم من الغاز، ويبلغ احتياطيها نحو 24% منه. ويشكل النفط العائد الرئيسي لكل دول المجلس حيث تشكل عائداته ما بين 80 و90% من إجمالي الدخول القومية، وقد زادت عائدات النفط في العام الماضي إلى 608 مليار دولار أمريكي مقارنة بنحو 465 مليار دولار في العام 2010، مستفيدا من زيادة الأسعار التي بلغت نسبة ارتفاعها أكثر من 34% العام 2011 قياسا إلى العام الذي سبقه. وما يزيد من أهمية المنطقة أنها تمتلك أكبر احتياطي مؤكد في العالم ويصل إلى 486 مليار برميل، ويشكل هذا نحو 70% من إجمالي احتياطيات الدول الأعضاء في منظمة البلدان العربية المصدرة للنفط «أوبك».
وحسب بعض التقارير فإن دول التعاون وضعت أكثر من مئة مليار دولار للاستثمار في قطاعي النفط والغاز للسنوات الخمس (2010-1015).
ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للعام الجاري 2012 نحو 4.6 بالمئة، مع توقع ببلوغ متوسط سعر النفط إلى 110 دولار أمريكي للبرميل قياسا إلى متوسط بلغ 108 في العام الماضي. وتشير دراسات أيضا أن نسبة التضخم قد يصل متوسطها إلى 3.8% للعام الجاري، فيما ستصل الفوائض المالية إلى 10 – 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
في ظل هذه المعطيات المشجعة ماليا، يتوقع أن يصل عدد سكان دول مجلس التعاون إلى أكثر من 53 مليون نسمة بحلول العام 2020، يشكل الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة أكثرية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة دول التعاون على مواكبة الزيادة السكانية التي تعتبر من أكبر الزيادات في السكان على مستوى العالم، وخصوصا من ناحية توفير وإيجاد فرص العمل، ودور المرأة في التنمية وتوفير الخدمات العامة والبنى التحتية المواكبة لهذه الزيادة المستمرة وغير الطبيعية.
في الوقت الراهن تشكل أزمات الإسكان والبطالة والأجور المتدنية مشكلات حقيقية في دول المجلس، وثمة تفاوتات في الدخل الفردي الذي يبلغ متوسطه 20 ألف دولار سنويا، لكنه لايعكس حقيقة الهوة بين الحدين الأدنى والأعلى لهذا المتوسط. وهذا جزء من إشكاليات الاتحاد الأوروبي الذي سنتناول في موضوع لاحق قصة الوصول إلى الاتحاد بين دوله السبعة والعشرين.
لاشك أن دول مجلس التعاون الست والتي تتمتع بوحدة التاريخ والثقافة واللغة وطبيعة الاقتصاديات الريعية والتقارب الاجتماعي بين عائلات بلدانه وقبائلها، هي أولى بإنجاز الوحدة التاريخية على أرضيات علمية وقانونية عميقة تأخذ في حسبانها الوحدات العربية الفاشلة في القرن العشرين، كما تضع الحسابات الداخلية نصب أعينها. ففي كل دساتير الدول الأعضاء ونظمها الأساسية ثمة مادة تتحدث عن سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة من الدول الست، وهي جميعها أعضاء في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الأمم المتحدة.
على دول التعاون الخليجي إحداث النقلة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المطلوبة لإنجاز مرحلة التعاون لتتفرغ إلى مرحلة اقتصادية وسياسية أكثر تحديا إذا أرادت الولوج في إستراتيجية الاتحاد بجدية واقتدار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٥) صفحة (١٧) بتاريخ (١٧-٠٢-٢٠١٢)