قد ينظر البعض بعين التفهم أو التسليم إلى حالات الفوضى التي تنتشر في بعض «دول الربيع العربي» معتبرا أن هذه نتيجة طبيعية للثورات التي اجتاحتها، وضرورة لابد أن تمر فيها هذه الدول خلال فترة تحول أنظمة الحكم فيها.
لكن ومنذ بداية سقوط نظام القذافي تعالت الأصوات منادية بضرورة الحذر من كميات السلاح الهائلة في ليبيا والتي قد تعرف طريقها إلى منظمات إرهابية على رأسها تنظيم القاعدة الذي فقد وجوده الحقيقي في أفغانستان وتعرض لضربات موجعة في المملكة وتمت محاصرة نشاطه في العراق على يد العشائر السنية عن طريق الصحوات التي خرجت من داخلها بعد أن طفح كيل المواطنين من أفعال التنظيم.
فمثل كل شيء غير شرعي أو شعبي وجد تنظيم القاعدة في الفوضى التي تجتاح بعض الدول مرتعا خصبا للنمو بقوة السلاح والتهديد في ظل غياب أي استقرار أو أمن، فمن العراق حيث نما أولا مستغلا انهيار أمن البلاد بعد الاحتلال الأمريكي، إلى لبنان حيث استغل انتشار السلاح وضعف هيبة الدولة بسبب تصميم حزب الله على أن يكون دولة موازية تقص أجنحة قوى الأمن الشرعية في البلاد، إلى ليبيا حيث ظهر علم القاعدة في عدة مظاهرات داخل بنغازي، وصولا إلى الصومال التي قطعت أوصالها حرب أهلية مرت عليها سنين طويلة حيث أعلن تنظيم الشباب المجاهدين انضمامه إلى القاعدة، وحتى اليمن التي يطمح التنظيم إلى أن تشهد ولادة أولى «دوله» في جنوب البلاد، يمكن ملاحظة أن هذا التنظيم الإرهابي يطل برأسه.
وبإمكان المراقب أن يلاحظ أن هذا التنظيم الإرهابي (القاعدة) لا يحل إلا حيث حل الخراب، ولا يترك خلفه إلا الخراب أيضا، فالقتل هو عنوان حكمه وتعطل العمل والتعليم ومظاهر الحياة هو السمة الأبرز لسيطرته والنزوح هو القرار الغالب على من يجعل حظه السيء موطنه مركزا لنشاط هذا التنظيم الإرهابي.
إن استمرار الفوضى في بعض دول «الربيع العربي» ليس أمرا يمكن غض النظر عنه أو تجاهله والنظر له بحكم أنه من طبيعة الأشياء أو الثورات، بل هو خطر فعلي يفتح الباب أمام قوى ظلامية لمد نشاطها وسيطرتها التي عجزت عن تجييش الشعوب خلفها طوعا، فقررت فرضها كرها.
وعلى كل من يقف في وجه سرعة عودة الاستقرار إلى بلاده بحجة وجود هدف سياسي أو تحقيق مكاسب آنية أن يدرك حجم الخطر الذي يتربص منتظرا الفرصة لفرض وجوده، وأن يعلم أن الخلاف السياسي بين الفرقاء يمكن أن يحل بشكل او آخر، أما فتح الطريق أمام تنظيمات إرهابية لفرض وجودها فهو مأساة لن تنتهي إلا بأنهار من الدماء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٧) صفحة (١٧) بتاريخ (١٩-٠٢-٢٠١٢)