إبراهيم الأفندي

إبراهيم الأفندي

علمُ الخيال: اختراق الزمن والأمكنة

يوجد لدى الإنسان ملكاتٌ معطّلة، تعْلمُها عنه العوالم اللامرئية في الملكوت، وهي تستخدمها ضدّه بشكل أو بآخر لجهله بها، ومنها ملكة الخيال، فمنها يصطاد السحرة الإنسان، ويعبثون بما يرى، ويهيئون له مختلف التهيؤات التي قد تؤدي به إلى الجنون والوهم.
لملكة الخيال علمها المستقلّ الغيبي، الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ويبذل السحرة والمشعوذون والعرّافون أبذالهم للشياطين من أجل كشف هذا العلم لهم، بينما الإنسان العادي بدراسته وفهمه لعلم الأسباب يستطيع أن يلج إلى مفاتيح علم الخيال بتوفيق الله سبحانه.
إن علم الخيال ليس ضرباً من الوهم، فهو في حقيقته اختراق للزمن والأمكنة، والإنسان بملكته فيه يستطيع التنقل واستقاء المعلومات، بل والإفادة والتغيير اللذين ينعكسان بطريقة مادية محسوسة على حياته العاديّة.
بعض المصابين بمرض الفصام يعرفون حقّ المعرفة ما يمكن تشكيله من علم الخيال، غير أنّهم لسبب أو لآخر من اختلال في كيميائية الدماغ يصلون إلى مرحلة من سيطرة الخيال على الحقيقة، إذا يتمثّل لهم شخوصاً وأوامر ومطالب، بينما أن الخيال والحقيقة متوازيان في تركيب الدماغ، ويمكن تنمية كلا الملكتين، ملكة استيعاب الحقائق، وملكة إطلاق الخيال بدءاً من الطفولة، وأيّ قمع لإحدى الملكتين يسبب ضمور الأخرى.
مريض الفصام غالباً هو شخص تم محاصرة حياته وتصرفاته في المجال الواقعي، فهو يهرب إلى شخوصه الخيالية التي تتكوّن بسبب تفعيله وإصراره على الدخول في عوالمها، والمريض بالسادية والنهم والجشع شخص تمّ محاصرة خياله، لذا نمت لديه الشخصية الماديّة مسيطرة على كلّ أحاسيسه.
لكن، بين هذا وذاك، يوجد خطّ علميّ يمكن السير على هداه، يمكّن الإنسان من تنمية حواسه الخاصة، واستدعاء الخيال المقنّن المبني على أسس معرفيّة، ليتفاعل معه ويخرج منه المتصوّف والمرتقي والشاعر والموسيقي والملهم إلى أرض الحقيقة.
لو تأمّلنا قليلاً في قصة نبي الله موسى – عليه الصلاة والسلام – مع فرعون، وتعمّقنا في دلالات الألفاظ القرآنية، إذ يقول الحق تعالى في هذا السياق في معرض وصف ما شوهد: «يُخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى»، لوجدنا ارتباط الدخول إلى عالم الخيال بالسحر، بينما هناك إيضاح آخر أكثر أهمّية في سياق القصة وهو عندما ألقى موسى عصاه وجد فرعون أن ما استطاع تخييله لموسى وقومه خارجا عن سببية ما يعرف، فطلب من هامان: «ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب، أسباب السموات».

التعليقات (6):
  • جاسم الدهمش ٢٠١٢/٢/١٩ - ٠٤:٥٩ ص

    في ترقي النفس ومراتبه هناك النفس الامارة بالسوء وتأتي بعدها ضمن الصلاح النفس اللوام والتي اقسم الله عزل وجل بها حيث قال ..لا أقسم بيوم القيامة ولا اقسم بالنفس اللوامة ,,,وهي نفس دائمة الرجوع الى الله والتوبة من افعال النفس الامارة بالسوء وتأتي بعدها النفس المطمئنة والتي قال الله بها في محكم تنزيله,, ياأيتها النفس المطمئنة إرجعي الى ربك ...أي إدخلي بسكينة القرب والرضى وأدني الى عالم الروح والمعنى وهنا تصبح المكاشفات وإختصار الاوقات وشهود الحقائق والمكنونات ويكون الانتقال من النفس اللوامة الى النفس المطمئنةبعد الاجتهاد بالافعال المرضية حيث تمر النفس بمرحلة ما يسمى الالهام او تسمى بالنفس الملهة حيث يرى السالك الى الله الطوالع والمكاشفات والرؤى الصالحة وتكون هي مرحلة يجتازها الرجل لتترسخ لديه حقائق الوجود والامر بكل موجود ..وهنا تتحدد الاهواء وترسخ المعاني وتتمسك النفس بتعاليم الشرع وبما يرضي الله ويصبح السالك بها بتمكين نفسه التي لا تشوبها شائبة ولا تنقصها وارده كما يقول الباري عزل وجل ...ومن إستمسك بالعروة الوثقى لا إنفصال لها ..جعلنا االله وإياكم من المستمسكين بحبله والسائرين على نهجة ومن المتحققين بحبه وقربه

  • ام الجود ٢٠١٢/٢/١٩ - ٠٣:٤٠ م

    الإبداع دائماً يكون في الخيال ولكن بحدود المعقول......
    قلم مبدع من كاتب مبدع بارك الله فيك

  • فيصل فاز ٢٠١٢/٢/١٩ - ٠٧:٣٧ م

    احسنت يا طيب-بانتظار تخيلك القادم

  • عـــلـــي الــشـــهـــري ٢٠١٢/٢/١٩ - ١١:١٦ م

    أعجبني:
     ملكة استيعاب الحقائق، وملكة إطلاق الخيال بدءاً من الطفولة، وأيّ قمع لإحدى الملكتين يسبب ضمور الأخرى.

    كم من الأسر يجهلون هذا الأمر، أطفالكم أمانه وقمع انطلاقتهم نحو الابداع سيقتله فيهم.

    تحياتي أ. إبراهيم

  • بولافي ٢٠١٢/٢/١٩ - ١١:٤٦ م

    اذا اصبح الخيال في حدود المعقوول تلاشى الخيال , لابد ان يكون الخيال خارج عن المعقول والا ما اصبح خيالا , لو كان عباس بن فرناس حين حاول الطيران كان معقولا , لا اصبحت لدينا طائرات !!!
    لماذا الطفل خياله خصب وواسع ؟ ولماذا يندثر هذا الخيال شئيا فشيئا ؟
    ان على التربية والتعليم كمناهج ان تنمي هذا الخيال وتزيد اخصابه, خاصة في مجال التربية الفنية والعلوم , كم من مواهب تلاشت مع الزمن ,
    لك تحياتي استاذي الفاضل

  • بنت الشرقية ٢٠١٢/٢/١٩ - ١١:٥١ م

    مقال رائع ومبدع ولابد ان ننمى الابداع والخيال لدى الابناء عن طريق المنزل والمدرسة لابد من التعاون بينهم حتى ننمى ذلك فى ابنائنا تحياتى


© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الشرق
للأعلى