كانت لكلمة صاحــــــــب السمو الملكي الأمير تـــــــركي الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية والرئيس السابق للاستخبارات السعودية بمؤتمر الأمن الوطني والأمن الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي، الذي عقد بمدينة البحرين يوم 19 يناير 2012م، مضامين مهمة وخطيرة! حيث تحدث سموه وبكل شفافية عن الواقع والتحديات المستقبلية المقلقة التي نعيشها محلياً وإقليميا.
أبرز المحاور التي تطرق لها سموه في كلمته، هو “الانكشاف الإستراتيجي العسكري والاقتصادي والسكاني والتنموي والأمني” في منطقتنا! محور يلمح لقضية لم تعط حقها في البحث العلمي ولا في الإعلام الخليجي أو الإقليمي! فمن المؤسف أنك تجد أن ما كتب عن الخطر الإيراني في منطقة الخليج، طبقاً للأوراق التي قدمت بالمؤتمر، لا يتعدى ثلاثمائة مطبوعة، معظمها من كتاب مستشرقين أجانب، وكأن البعض من مثقفينا العرب هم خارج المكان والزمان. وهذا ليس بجديد وغريب علينا، فمأساة العراق اليوم هي أكبر شاهد على هذا الانكشاف الإستراتيجي والإخفاق الاستخباراتي، عبر سنين، في المنطقة العربية.
العراق كبلد وشعب هم اليوم من دفعوا الثمن! تماماً مثلما تدفع الشعوب والأوطان ثمن الحروب دائماً! ففقدان 800 مليار دولار على مدار ثماني سنوات ما بين شركات أمريكية وبين سماسرة العراق، الذين تغلغلوا باعتراف الحكومة العراقية نفسها في الحكومة ومؤسساتها من جهة وبين الشركات التي أتت تحت مظلة “إعادة تعمير العراق” بتحالف بشع بين الكمبرادورية والرأسمالية من جهة أخرى! فكان الثمن، كما تشير تقارير، حصول أكثر من 22 ألف شركة أمريكية على عقود لتعمير العراق، وأكثر من مائة شركة إسرائيلية تعمل بأسماء وهمية للإعمار، كذلك التي اشترت اليوم الهكتارات من الأراضي العراقية! تحقيقاً للوعد الأمريكي المعلن بأن من أهم أهداف غزو العراق هو تحقيق الأمن لـ”دولة إسرائيل”!
هكذا هي الحكاية دائماً في مناطقنا العربية! واليوم ونحن نعيش هذا الانكشاف الإستراتيجي الذي تحدث عنه سموه، وإيران تدق على أبوابنا الشرقية و”الثورات العربية” من حوالي دول مجلس التعاون الخليجي، علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة حقيقية! فـ”من يريد أن يواجه الإرهاب في الإسكندرية أو الرياض أو عمان أو صنعاء كان عليه أن يواجهه في كابل وبغداد وبيروت وغزة! وألا يترك الساحة حكراً لأجندة الآخرين” و”الحياد السلبي تجاه ملفات حساسة وخطيرة قد أدى في النهاية إلى أن يطال الشرر الأنظمة” وآخرها كان في دولة البحرين… فالتردد الواضح لمواجهة إيران وحلفائها من الاستخبارات العربية، حتى وقت قريب، كان مبنيا على ردة فعل وليس على دور فعلي على الأرض! وتجربة أفغانستان، وما نتج عنها، شاهد للتاريخ على هذا التردد والقصور، حيث كشفت الكثير من وثائق ويكليكس أن البعض من الدول العربية المجاورة لا تتعاون، إن لم لا تكن لا تتكلم، مع بعضها.
إن العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران سيكون لها نتائج كبيرة على المنطقة، حيث سيزيد ذلك من الضغط الداخلي بإيران وستزيد الانقسامات فيها، مما سيؤجج شهية إيران لتصدير الثورة بصورة أعنف لتوحيد هذه الصفوف المتفرقة داخلياً! ومن الواضح، لكل مطلع على التاريخ السياسي في الحروب، أن العقوبات على مدى التاريخ لم تنته إلاّ بحروب!
صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل تكلم في نهاية كلمته الشفافة عن واجب الحكومات تجاه شعوبها! ونبه على أهمية تحصين جبهتنا الداخلية بمزيد من الإصلاح، لنكون اقتصادا يجني ثمره ازدهار مواطنيه… وكيف أنه من المهم أن “نرسخ فكرة المواطنة كأساس بين علاقة المواطن مع الدولة، وتوسيع دائرة المشاركة في نظمنا السياسية”.
ما نعيشه اليوم من جارتنا إيران هو ليس بجديد، بل هو عملية مبرمجة من أيام آية الله الخميني وقبله الشاه “شرطي الخليج”، وتوازن القوى لم يعد هو السيد في اللعبة! فكما ذكر إي جي بي تايلر في كتابه “أوروبا في القرن 19″ أن القوة الحقيقية في السياسة هي للطرف الذي “يستطيع أن يسيد قصته” بقوة مستمدة من الداخل أولاً قبل الخارج.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨١) صفحة (١٨) بتاريخ (٢٣-٠٢-٢٠١٢)