مثلما شرع الإسلام القصاص؛ شرّع العفو أيضاً. والمغزى الكامن في القصاص وفي العفو يؤكد أن القصاص ليس هدفاً في ذاته، بل هو وسيلة من وسائل ردع الجريمة ومكافحتها والتحذير منها حتى لا تتكرر. وعلى الرغم من أن القصاص من القاتل لا يعيد القتيل إلى الحياة؛ فإنه يمثل شكلاً من أشكال العدل الإلهي الذي يضع حياة قاتل مقابل حياة قتيل، ودماً مقابل دم، وحقاً إزاء حق. وهذا العدل يرتكز على المساواة كما هو واضح.
وهناك شكل آخر من أشكال العدل الإلهي؛ هو شكل العفو. إذ إن وليّ الدم يمتلك صلاحية استثنائية لا يملكها سواه. إنها صلاحية العفو عن القاتل، ومثلما يقوم عدل القصاص على المساواة؛ فإن عدل العفو يقوم على تفضيل وليّ الدم على القاتل. بمعنى أن وليّ الدم متفضل على القاتل حين يعفو عنه، وهو بذلك يمتلك قوة استثنائية هي قوة الاختيار بين مساواة القتيل بالقاتل في الحياة، أو منح القاتل حياة جديدة، وترك أمره إلى الله.
إنه منطق العفو عند المقدرة، ومنطق أن تكون أفضل من قاتل أخيك أو ابنك، وأقرب إلى الله منه، وصاحب خلق وكرم ونفس حرة. وقد أعطى الإسلام هذا الحق لوليّ الدم ليكون خياراً من خياراته، وليس خياراً وحيداً. فإن استعمل هذا الحق؛ فهو حقه، وإن لم يستعمله؛ فهو حقه أيضاً. أي أن صاحب الحق من حقه استخدام حقه أو تعطيله متى ما أراد.
منطق العفو محسوم، لأنه بيد المسؤول عن العفو وحده. ولهذا فإن «العافين عن الناس» لهم درجة مختلفة عند رب العالمين، فهم يعفون وهم قادرون، ويتنازلون وهم أقوياء، ويجمدون حقهم وهم في موقع استخدامه. إنه مستوى عالٍ من الخلق والكرم والمنح والصدق مع الله ومع النفس ومع الناس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٧) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٩-٠٢-٢٠١٢)