صحيح أن عبد ربه منصور هادي قد أصبح رئيسا لليمن خلفا لعلي عبدالله صالح الذي غادر القصر الجمهوري ويحزم أمتعته مرة أخرى للرحيل إلى إثيوبيا أو سلطنة عمان حسب التكهنات، وصحيح أن الاسم الجديد للمشير عبد ربه منصور هادي قد أصبح الأخ الرئيس، وقد تلقى المزيد من برقيات التهنئة بمناسبة حصوله على ثقة المقترعين اليمنيين ليزيح سلفه، لكن ما ينتظر اليمن لايزال في عالم الغيب والضبابية، ويشبه مطلع الأغنية «سر حبي فيك غامض/ سر حبي ما انكشف». فالأوضاع السياسية والاقتصادية في اليمن هي من التعقيد المركب، بحيث يصعب الحديث عن وصفات جاهزة للحل الذي تعاني منه البلاد منذ عقود طويلة. فبعد توقف الانقلابات العسكرية، إثر وصول الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح إلى السلطة قبل 33 عاما، وسيطرته على مفاصل الدولة الاقتصادية والعسكرية والأمنية، تبدو الصورة ضبابية أكثر حول الكيفية التي سيخرج منها اليمن إلى واحة الاستقرار السياسي والشروع في عملية التنمية الإنسانية الشاملة.
اليمن اليوم أمام مفصل من مفاصله التاريخية التي ستحدد مساره وموقعه على الخريطة الإقليمية والدولية. فبعد عام من الثورة على النظام السياسي، يتوصل السياسيون هناك إلى توافق حول المبادرة الخليجية التي تقضي بتنحي الرئيس علي عبدالله صالح وتسلم نائبه مهام الرئاسة، في وقت لايزال الحراك الشعبي قائما ولاتزال الساحات تحتمل المزيد من مريديها للتعبير عن أرائهم إزاء الوضع القائم، حيث تنتظر اليمن مرحلة انتقالية تتمثل عناوينها الواسعة في الحوار الوطني الشامل بين أطياف مكونات وأطياف الشعب اليمني، وإعادة هيكلة الجيش الذي يسيطر على مفاصله أبناء وأقرباء علي عبدالله صالح، ما يوحي بأن شيئا لايزال جامدا على مستوى الحراك السياسي، ناهيك عن الدستور الذي يحتاج إلى تغيير جوهري تقود نتائجه إلى تحول نوعي وجوهري في الحياة السياسية. وهذه العناوين بحاجة إلى جهود كبيرة تمتد من المهرة حتى صعده، حيث الأحداث الأمنية تلقي بظلالها في مختلف المناطق رغم إنجاز الخطوة الكبرى في التوافق على رئيس الجمهورية الجديد. فبينما كان عبد ربه منصور يؤدي القسم، كان قصره الرئاسي في الملا بمحافظة حضرموت يشهد تفجيرا نوعيا راح ضحيته 21 شخصا من حراسات القصر ناهيك عن الجرحى، في رسالة وجهها، على ما يبدو، تنظيم القاعدة إلى الرئيس الجديد تؤكد أن المرحلة المقبلة لن تكون نزهة للطاقم الحكومي الذي خلف طاقم علي عبدالله صالح، وآخرها الطلب الذي أعلن عنه مجلس النواب بضرورة أن يقدم رئيس الوزراء اعتذارا صريحا بسبب عدم حضوره مراسم تسليم الرئاسة، الذي يبدو أن سببه وجود الرئيس السابق في القصر مما يوحي بقوته وتأثيره اللذين لايزالان مفعولهما صالحا للعمل، حتى بعد مغادرته كرسي الرئاسة. وهناك الحوثيون في صعدة وجوارها، حيث يجدون أنفسهم منسيين ومناطقهم في عملية التنمية منذ سنوات طويلة ويرون أن ذلك سبب كاف لخوض ست حروب منذ العام 2004 ضد الدولة المركزية التي كانت ولاتزال تعاني من ضعف شديد بسبب التركيبة القبلية للمجتمع اليمني وحجم الفساد الكبير الذي ينهش في الاقتصاد الوطني ويضربه في مقتل، ناهيك عن «الحراك الجنوبي الذي يحن إلى إعادة تأسيس دولة الجنوب بعد 22 عاما على الوحدة، وما تلاها في العام 1994 من حرب وضعت اليمن في ذيل قائمة الدول الهامشية والفقيرة.
خطورة الوضع اليمني الراهن لاتنعكس على الداخل اليمني فحسب، بل تتجاوزه إلى دول الجوار باعتبار أن هذا البلد يقع في الجزيرة العربية ويطل على البحر الأحمر وبحر عمان وعلى باب المندب ويمتلك 182 جزيرة ما يجعله يتمتع بموقع إستراتيجي، فضلا عن حجمه السكاني الذي يصل إلى أكثر من 24 مليون نسمة، ويبلغ طول سواحله نحو ألفي كيلومتر، ما يجعله مفتوحا أمام البحر، وربما يكون ذلك سببا في تواجد ما بين ستين مليون إلى تسعين مليون قطعة سلاح موزعة على اليمنيين وتشمل المسدس حتى الصاروخ والمضادات الجوية، ناهيك عن المدرعات والدبابات، الأمر الذي يضع مسألة الاستقرار الداخلي على المحك، وفي حالة تحد للرئاسة الجديدة وآلية تنفيذ المبادرة الخليجية.
هذا الوضع يقابله وضع اقتصادي يزداد ترديا بسبب استشراء الفساد وضعف الدولة المركزية وتناسل الأزمات المعيشية، ابتداء من الفقر والبطالة وصولا إلى الإسكان والتعليم والصحة. فحسب العديد من الإحصائيات فإن نحو 70 بالمئة من اليمنيين يعيشون تحت مستوى خط الفقر، أي بأقل من دولارين في اليوم، وأن نصف القوى العاملة تعاني من البطالة، فيما شهد الاحتياط النقدي الأجنبي تراجعا كبيرا ليصل إلى 4.5 مليار دولار أمريكي، في وقت تحتاج البلاد بصورة ماسة إلى 15 مليار دولار للسنوات الثلاث المقبلة، وهو رقم فلكي لم توفر منه الدول المانحة إلا النذر اليسير، بينما يعاني قطاع النفط والغاز من حالة فساد مستشرية فاحت روائحها على المستوى الدولي لبلد ينتج نحو 320 ألف برميل في اليوم من النفط الخام، ويساهم هذا القطاع بنسبة تتراوح مابين 30 إلى 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي و70% من إيرادات الموازنة العامة و90% من صادرات الدولة.
قيل قديما أن الحكمة يمانية، ولعل هذه المقولة قادت إلى تفادي حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس، لكن هذه الحكمة تحتاج لمن يترجمها على مستوى التنمية الإنسانية الشاملة والسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.. وهذه كلها خطوات تحتاج إلى رافعات عملاقة كي تنجزها، وهذا هو التحدي الذي ينتظر اليمنيين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٩) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٢-٠٣-٢٠١٢)