كان اللقاء الثالث والثلاثون لمنتدى التنمية الذي عقد في العاصمة القطرية يومي الأول والثاني من مارس الجاري، فرصة مهمة لأعضاء المنتدى في تناول العديد من الموضوعات التي تهم دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال ست أوراق عمل تقدمت بها مجموعة من النشطاء والأكاديميين الخليجيين، التي جاءت تحت عنوان «السياسات العامة والحاجة للإصلاح في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية».عشرات من المفكرين والأكاديميين ونشطاء الشأن العام من مجلس التعاون الخليجي حضروا لقاء منتدى التنمية في الدوحة، وهم يمثلون مختلف الأطياف السياسية والمذهبية، وقد جرت حوارات مفتوحة تفاوتت بين الصراحة والجدية التي اتسم بها اللقاء في أغلب جلساته، وبين بعض المناكفات الناجمة عن جهل أو تشوش في المعلومات التي استقاها بعض المتحاورين وتبنوها في تحليلاتهم وبالتالي صياغة الموقف من القضايا التي كانت محورا للنقاشات.كانت كل أوراق العمل الست قيمة، بيد أن الأكثر جدلا اثنتان هما ورقتا البحرين والكويت. ويبدو أن السبب يعود للأوضاع السياسية والاجتماعية التي يعيشها البلدان في الوقت الراهن. ففي حين جاء المنتدى بعد الانتخابات الكويتية التي جاءت على خلفية حل مجلس الأمة واستقالة الحكومة وفوز أغلبية معارضة قد تسبب صداعا مستمرا للجانب الرسمي خلال الفترة المقبلة، بينما حضر الموضوع البحريني بقوة نظرا لما شهدته البلاد من حراك لأكثر من عام، بدأ في الرابع عشر من فبراير 2011، وما تبعه من أحداث أمنية مؤسفة، قادت إلى أن يقدم جلالة الملك حمد بن عيسى أل خليفة عاهل البحرين على تشكيل للجنة البحرينية لتقصي الحقائق، وهي لجنة تتكون من قضاة دوليين مشهود لهم ومتخصصة خليجية من الكويت، وقد بدأت أعمالها في التحقيق وجمع المعلومات والوثائق اللازمة لكتابة التقرير والخروج بالتوصيات التي تم الإعلان عنها في الثالث والعشرين من نوفمبر 2011 في حفل كبير نقله التلفزيون البحريني مباشرة وفضائيات عربية أخرى.
تحدثت توصيات تقرير لجنة التقصي التي رأسها البروفسور محمود شريف بسيوني عن انتهاكات لحقوق الإنسان تمت خلال شهري فبراير ومارس 2011 .
وطالبت التوصيات بوضع جدول زمني لترجمة ما طالبت به لجنة التقصي التي تركزت على الجانب الحقوقي، بينما تركت الباب مواربا إزاء الجانب السياسي الذي يعد هو أس الأزمة في البحرين.
لقد كشف منتدى التنمية هذا العام المزيد من الحقائق التي كانت بعيدة عن الواجهة أو تعاني من حالة تشويه كبرى تعرضت لها المنطقة العربية برمتها إزاء الأوضاع الداخلية. ويبدو أن الإعلام العربي كان سببا في ذلك باعتباره إعلاما موجها في أغلب حالاته، وابتعد عن الحقيقة التي مهمته الكشف عنها لتختلط الأوراق السياسية على بعض من حضر المنتدى لدرجة تأثره بالحملات الطائفية هنا وهناك، واعتماد البعض على ما تطفح به شبكات التواصل الاجتماعي من تغريدات على التويتر والفيس بوك.وإذا كانت أوراق العمل السياسية التي حصدت الوقت والمناقشة كما هو الحال مع ورقة الدكتور حسن رضي التي جاءت تحت عنوان «أحداث البحرين: الأزمة والمخرج»، وورقة الأستاذ أحمد الديين عن «الحاجة للإصلاح في الكويت»، فإن أوراق العمل المتخصصة مثل ورقة الدكتور خالد اليحيى بعنوان «الفجوة بين تنمية رأس المال البشري والإصلاح المؤسسي – مدخل لسياسة وإدارة التنمية في دول مجلس التعاون»، وورقة الشاب الدكتور عمر هشام الشهابي بعنوان «سياسات التوسع العقاري من منظور الخلل السكاني في دول مجلس التعاون»، كانتا من الأهمية والموضوعية في قراءة المشهد الآخر الذي يضرب في حالة النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في المنطقة الخليجية التي شهدت خلال العقود الأربعة الماضية قفزات عمرانية هائلة ردمت من أجلها البحار وخططت مناطق جديدة، فيما شهدت على المقلب الآخر خضة كبرى في التركيبة السكانية التي قادت إلى خلل إستراتيجي كبير في الوضع الديموغرافي لدول المجلس وإن كان بنسب متفاوتة بين دولة وأخرى.ما لفت الانتباه، هو أن الشهابي قد دق ناقوس الخطر إزاء الهوس في التوسع العقاري غير المدروس في دول التعاون ما يعقد المشكلة الديموغرافية وبالتالي الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية. فقد أشار في موقع من بحثه أن أربعا من دول مجلس التعاون هي الإمارات وقطر وعمان والبحرين، قد أعلنت أنها سوف تبني ما لايقل عن 1.3 مليون وحدة سكنية ذات التملك الحر أو الإيجار الطويل المدى، مما يسع لاستيعاب ما لا يقل عن 4.3 مليون قاطن فيها، يشكلون أكثر من عدد سكان الدول الأربع حسب إحصائيات 2008، الذي بلغ فيه عدد سكان هذه الدول 3.6 مليون نسمة.
قد لايستوعب البعض خطورة الموضوع حول الزيادة السكانية في المنطقة والتأثير السلبي الكبير على الخدمات العامة وإزاء الضغوطات التي تتعرض لها دول المجلس من قبل المنظمات العمالية الدولية والتحالفات الإقليمية الآسيوية المتعلقة بوضع العمالة في المنطقة، خصوصا حول الحقوق السياسية وحقوق التوطين، لكن ذلك لايخفي أبدا المخاطر، كما لايخفيها التعتيم الإعلامي على منتديات جادة مثل منتدى التنمية الخليجي الذي لم يحظ بما يستحقه من تغطيات صحافية وإعلامية إلا ما نذر. فالإصلاح لم يعد ترفا ولايمكن أن يكون مجزءا، إنما هو يشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٦) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٩-٠٣-٢٠١٢)