عبثاً نحاول أن نستجمع نثار أوطاننا التي بدأت تمزقها الفرحة بمحراثها المدسوس في سم خفي، سال على شرفة الربيع لتذبل الزهور على نوافذه. كانت حكاية الأوطان مثخنة بالتاريخ النازف وجراح الكرامة ومافوية الفاسد الضارب في أعماق شرايينها المحشوة بالأسماء والألقاب والتمايز.
حين لفَّت ألسنةُ اللهب جسد البوعزيزي وتصاعدت زفراتها الحارة، هللنا وقلنا بورك من في النار ومن حولها.. كنا نقرأ بين سطور حمرة اللهيب وعيني البوعزيزي ربيعا سيشرع نوافذ السحاب ويستقبل قوافل الزهور التي سوف تمحي جدب الزمن. طقس الشواء الذي ابتدعه البوعزيزي أصبح له مريدوه في أنحاء الوطن، ولكنهم لم يكونوا أبدا بذلك الفناء الذي سمت فيه روحه.
ترى هل ابتدع البوعزيزي ذلك الطقس العنيف ليستعيد كرامته التي أهدرتها شرطية حاقدة حين وجَّهَت صفعة على وجهه وهو العربي الذي تأبى كرامته مثل ذاك الفعل؟ أم إنه النتيجة الحتمية لصفعات القهر التي تراكمت خلال عقود من الاستبداد والفساد؟ أياً كانت الأسباب فشعوب الوطن العربي جميعها باركت ذلك الكف الذي أَذِنَ باجتثاث يباس الخريف والشتاء، وانتشرت حبوب اللقاح لتملأ الوطن من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه وكأن أبواباً صدئة تساقط صدؤها وشُرّعت لتلك الحشود بالخروج إلى شوارع الحرية. وهرب الطاغية زين العابدين بن علي في ليل لن تشرق عليه شمس بعده لتتنفس تونس الصعداء وتقيم موازين العدل والمحاسبة والتطهير. وكانت الثورة الكبرى، في البلد الأكبر، أم الكنانة.. ملايين من الأرواح التائقة لانعتاقها من قماقم الكبت والقهر تنطلق كأمواج ثائرة لتملأ الميادين والشوارع، تسقط رأس الهرم الذي أسقط الكثير من حرياتهم وكرامتهم وحقوقهم.. كان السقوط مدوياً وقاسياً وغير متوقع.. ولأول مرة يرى هذ الجيل قائداً حكمهم بالحديد والنار وملأ السجون بمعارضيه ومنافسي بنيه يرونه وأبناءه وزمرته خلف قضبان السجن يحاكمون بجرائمهم التي تضيق عنها صفحات التدوين والتاريخ. مصر اليوم جميعها تحاكم حسني مبارك وأبناءه وأعضاء حزبه وحكومته.
وتمتد النار البوعزيزية هذه المرة إلى باب العزيزية بليبيا، لتمثِّل صدمة للقائد الملهم والفيلسوف الحكيم وملك ملوك إفريقيا وعميد الحكام العرب والأهم من ذلك صاحب الكتاب الأخضر الذي كان يراه بديلا للدساتير والكتب السماوية. لم يستطع أن يتخيَّل، وهو الرائي، أن يحيق به عذاب يوم شديد أو أن يتنكر له شعبه الذي ظن أنه روّضه على طاعته فحوّل النهر العظيم الذي دأب على التغني به كمعجزة عصرية إلى نهر عظيم من الدماء البريئة وهو عاجز عن التصديق بأن يحلَّ به ما حلَّ بغيره، فكانت نهايته أسوأ بكثير منهم. قتل القذافي وبعض أبنائه وتشرَّد آخرون واعتقل البعض واليوم يحاكم الشعب الليبي من تبقى منهم.
وخرجت نار عدن تسوق الناس إلى ساحة التغيير بصنعاء العاصمة وكعادة الطاغية دوماً لم يتوقع طاغية اليمن أن يأتي اليوم الذي يفارق فيه العرش والسلطان وهو الذي يرى نفسه متربعاً على قلوب الجميع، أوليسوا هم من قبل به عقوداً من الزمن فكيف يتنكرون له اليوم؟ لابد أن هناك خطأ ما في الصورة المنقولة، حتى حلَّ به قدرٌ غير متوقع حين تم تفجير المسجد وهو قائم يصلي صلاة رياء فاحترق الرجل.. لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة بطشه لسحق الشعب، وكان علي عبدالله صالح الأوفر حظا بين من سبقه فقد انتشلته دول الخليج العربي من مصير لن يكون أفضل من سابقيه فكان خيار التنازل بعد شهور دامية شهدها اليمن السعيد حولته إلى اليمن الحزين.
غير أن نار سوريا فاقت حمم الآخرين تلك البراكين التي ظن الناس أنها خامدة فثارت فجأة مخرجة حممها الملتهبة تعيد ذاكرتنا إلى بركان بومبي الإيطالي واستعار اللون الأحمر لونه من نهر بردى، وهُجّرت العائلات من مساكنها وبدت المدن المهجورة كبقايا من آثار زلازل وبراكين.. وارتفعت حصيلة قوافل الأرواح الصاعدة إلى السماء والمحلقة بأجنحتها البيضاء على فضاء سوريا.. كانت لأطفال قُطعت أعضاؤهم وبُترت أطرافهم واقتلعت أظافرهم وحُرِّقت أجسادهم تحت وطأة التعذيب، وشهداء الميادين المستعرة والمدن المتفجرة والقرى الثائرة.. ولا يزال بشار وحزبه يطلّون على أبواب دمشق المحصنة بأمنهم وتواطؤ بعض الدول معهم.. لم تكتب نهاية بشار بعد حتى كتابة هذه السطور.
ثم ماذا؟ أزاحت الثورات أنظمة استبدادية تربَّعت على عروش السلطة عقوداً من الزمن وكانت مجرد فكرة القيام بثورة لإزاحتها تودي بصاحبها إما إلى الموت أو النسيان في أحد السجون.. ولكن ما يحدث اليوم هو هدر للأوطان فقد أصبحت بلاداً مفتوحةً وعاد الاستعمار من جديد يستنزف ويعد ويتوعد، ورأى الثوار أنهم أرخصوا دماءهم في سبيل التغيير فأتى من امتطى تضحياتهم واختطف السلطة منهم. لاتزال رقعة الدومينو تستقبل القطع المتساقطة واحدة تلو أخرى فشعوب هذا اليوم استيقظت من سباتها لتستعيد كرامتها وكينونتها وبشريتها، ولكن جلّ ما نخشاه أن نجد أنفسنا يوما نستجدي الناتو تأشيرة إقامة على أوطاننا الجديدة!
الأوطان اليوم تهدر من الخارطة الجغرافية ومن الفضاء العربي، فمتى سنرى البوعزيزيين يستجمعون ذاك الهدر قبل أن يصبح المآل في غياهب الجب فلا يلتقطه سوى السَّيَارة الذين حدَّدوا طريقهم وتفنَّنوا في صناعة دِلائهم يستجمعون فيها فتات أوطاننا ويبنون بها ممالك شياطينهم؟!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٠) صفحة (١٤) بتاريخ (١٣-٠٣-٢٠١٢)