كأن العالم يضع يديه على قلبه بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل. هذه المرة ليس لأسباب سياسية ظاهرة، وهي التي أخذت بها علما الأقطاب الدولية والإقليمية الفاعلة وتتوقع أن تسير وفق ما تم الإعلان عنه من البيت الأبيض، إنما يتخوف العالم من الوضع الاقتصادي المضطرب الذي قد يقود إلى مغامرات سياسية قد لا تكون محسوبة سلفا. فالرئيس الأمريكي باراك أوباما، وبعد أن تحدث قبل أيام أمام منظمة الايباك اليهودية تفرغ لسد الثغرات الرئيسية في الاقتصاد الأمريكي وأدائه الذي يقاس عادة بنسبة البطالة ومدى قدرة الاقتصاد الأمريكي المربك على توفير المزيد من فرص العمل، حيث لم يحقق الرئيس أوباما تقدما ملحوظا بعد فترتي رئاسة بوش الابن التي سجلت تدهورا واضحا في الاقتصاد قادت إلى تسجيل أرقام قياسية في عجز الموازنة الفيدرالية وكذلك في نسب البطالة، زادت «طينها بلة» الأزمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة الأمريكية نهاية العام 2008.
بمعنى أن باراك أوباما وبعد أكثر من ثلاث سنوات على ولايته لم يخرج من عنق الزجاجة التي حشره فيها الاقتصاد الأمريكي، رغم أن الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون انهى فترتيه الرئاسيتين بتسجيل فوائض في الموازنة العامة وتقليص كبير لنسبة البطالة، لكنه سلم العهدة إلى الجمهوري جورج دبليو بوش الابن الذي خاض حروبا خارجية لم تخطر على بال خبراء الاقتصاد الذين حذروا من كارثة مقبلة على الاقتصاد الأمريكي إن لم تتم عملية كبح جماح التوجه المحموم لشن الحروب.
المتنافسون على كرسي الرئاسة، والجمهوريون بالذات، يدركون حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، خصوصا بعد التحذيرات الجدية التي أطلقها مجلس الاحتياط الفيدرالي قبل أسبوع في تقريره الفصلي وحذر فيها من هاوية تنتظر الاقتصاد الأمريكي مع دخول الفائز في انتخابات الرئاسة البيت الأبيض مطلع يناير المقبل.
لماذا هذا القول الآن؟
يتحدث كثير من خبراء المال والاقتصاد عن حالة غير طبيعية تسود أسواق النفط العالمية، ويؤكدون أن الأسعار الراهنة التي بلغت بالنسبة لخام برنت 128 دولارا للبرميل الواحد مطلع الشهر الجاري، إذ يعدها المحللون نتيجة وهم وليست خلاصة لواقع العرض والطلب، الأمر الذي يثير تساؤلات حول استمرار الأسعار في هذا المعدل المتصاعد الذي قد لا تحتمله الاقتصاديات التي لاتزال تعاني من تبعات الأزمة المالية العالمية ومن الأداءات السيئة الناجمة عن أزمة الديون في منطقة اليورو. ربما تشكل أزمة المفاعل النووي الإيراني والتهديدات الناجمة عنها عنصرا يزيد من مخاطر التقديرات بإغلاق مضيق هرمز، لكن الأداء الاقتصادي الذي تواجهه الدول الصناعية الكبرى وخصوصا دول الاتحاد الأوروبي يفترض أن يهدأ الأسواق ويسهم في لجم منسوب الارتفاع في أسعار النفط.
تستورد الولايات المتحدة الأمريكية نحو نصف استهلاكها من النفط، والحديث عن هاوية للاقتصاد الأمريكي قد تهوي بأسعار الخام دون مقدمات كما حصل أثناء الأزمة المالية العالمية، وهذا قد يقود إلى مزيد من التشنج لدى عواصم القرار على المستوى الإقليمي والدولي بسبب احتمال تراجع العائدات النفطية التي تعتمد عليها كل دول منطقة الخليج بنسب عالية جدا في موازناتها العامة لاتقل عن 80%.
التحذيرات من هاوية قد يقع فيها الاقتصاد الأمريكي ستقود إلى تأزمات سياسية في مناطق النفط، وهو أمر سيكون سيئا على المنطقة برمتها ولن يستثني أحدا، باعتبار أن الاقتصاد الأمريكي ورغم العثرات المتعددة فإنه لايزال يشكل قاطرة الاقتصاد العالمي حتى مع المشكلات التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي مع اليورو ومع دول تكاد أن تفلس مثل اليونان وأخرى تعاني من مشكلات كبرى مثل إسبانيا وإيطاليا.لهذا، ليس من مصلحة دول العالم مشاهدة تنبؤات المجلس الفيدرالي الأمريكي وهي تتحقق، لأنها إن حصلت لن يبقي عقل في رؤوس المحللين والمستثمرين والمسؤولين السياسيين والعسكريين، وحينها ستكون كوارث الغزو التي مرت على منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، حالة راهنة ربما تقود إلى تفتيت دول وتبخر أخرى، ولن يكون اللعب بنار التوتير الإقليمي مجرد مناوشات يمكن السيطرة عليها بتأخير الضغط على زناد البندقية أو تحريكها من المكان التي هي فيه إلى مكان آخر أكثر أمنا.
إن الارتفاع غير المنطقي لأسعار النفط ليس في صالح مواطني البلدان المصدرة للنفط ولا حكوماتها رغم الزيادة المتحققة من هذا الارتفاع في خزائن هذه الدول، ذلك أن مسألة الاستقرار الاقتصادي في الدول الكبرى مرهونة باستقرار الأسعار عند مستويات محددة خصوصا في فترة الانكماشات التي يشهدها بعض هذه الاقتصاديات ويتهيئ لها البعض الآخر، ما يجعل العالم يرقب أداء الاقتصاد الأمريكي ويديه على قلبه داعيا ألا تصدق نبوءات المجلس الفيدرالي بشأن الهاوية، أما الرئاسة فليفز بها من يشاء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٣) صفحة (١٧) بتاريخ (١٦-٠٣-٢٠١٢)