الاتفاقية التي أنجزتها المملكة والجمهورية العراقية، أمس الأول، حول تبادل السجناء بين البلدين، فتحت أبواب الأمل لأسر سعودية وعراقية كثيرة. وعلى نحو من الأنحاء تمثّل الاتفاقية لبنة طيبة لتطوير العلاقات السعودية العراقية المتضرّرة بما شهدته المنطقة من أحداث معقدة سياسياً وأمنياً.
علينا الاعتراف بأن الاتفاقية وُلدت بعد مخاضات دبلوماسية صعبة، وإشكالات سياسية وأمنية وحقوقية. ولكنها وُلدت في النهاية. وعلينا الاعتراف ـ أيضاً ـ بأن ثمة ملفّين آخرين لا يزالان محلّ الدعك الدبلوماسيّ والنقاش السياسي والأمني والقضائي بين المملكة والعراق. فالمحكومون بالإعدام لم تشملهم الاتفاقية التي لم تشمل ـ أيضاً ـ السجناء الذين لم يُحاكموا بعد. وكلتا الشريحتين تتطلّبان جهوداً مزدوجة بين البلدين اللذين تمرّ علاقتهما بتوتر لا يريده الطرفان، ومن غير صالحهما استمراره.
ومثلما علينا الاعتراف بذلك؛ فإن علينا تحية الشجاعة السعودية العراقية في حسم جزء كبير من قضية السجناء بين البلدين. وعلينا، أيضاً، أن نوجه دعوة مزدوجة، إحداهما لحكومة بلادنا الحريصة على بناء علاقات طيبة مع جيرانها وأشقائها مبدأً وممارسة، والدعوة الأخرى موجهة إلى إخواننا العراقيين. فنحن في السعودية ـ والعراق ـ لا نريد أقلّ من أن نكون أشقاء وأحبة يحكمنا الاحترام المتبادل والثقة المؤكدة والمصالح المشتركة.
وفي يقيننا أن بلادنا ليس لديها إلا حسن الجوار وطيب العشرة مع كل كيان من الكيانات السياسية المحترمة الموجودة على ظهر الكوكب، ويتأكد ذلك في الدائرة الإسلامية والعربية، والعراق دولة عربية إسلامية يهمّنا أمنها واستقرارها ورفاهيتها. ننطلق في ذلك من مبدأ «أحِبّ لأخيك ما تحبه لنفسك». والمصالح المشتركة والجوار الطيب والإخوة العربية والإسلامية.. كل ذلك يحتّم ضرورة التعاون أكثر فأكثر لبناء علاقات استراتيجية بيننا وبين العراقيين.
ولعلّ في اتفاقية السجناء نقطة جديدة يلتقي فيها الطرفان العربيان الإسلاميان لإزاحة الكثير من تبعات وعوالق الوضع السياسي والأمني الذي ابتليت به المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، وبالذات منذ مطلع الألفية الجديدة. ومن المهم تطوير سبل التعاون والتفاهم والتحاور وصولاً إلى ما هو أبعد من ملفّ أمني عالق. فملفات الجوار والمصالح والاستراتيجيات أكثر دقة وحساسية في علاقة بلدين يتجاوران على مسافات طويلة.
لدى السعودية شجاعة كافية، وقد أقدمت على خطوات نوعية تعبر عن مصافحة واضحة للإخوة في العراق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٧) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٠-٠٣-٢٠١٢)