مجنون هذا العالم، أشعث أغبر فوضوي، مهووس بالسرعة ووجبات الماكدونالد وقهوة ستاربكس ولعبة Angry Birds وكل مغريات الشبكة العنكبوتية.. ترى هل تحولنا من عالم الواقع إلى عالم الافتراض لتتم دورة اكتمالنا المنقوص؟ كل ما حولنا يصرخ بالافتراض ويضجر بالافتراض، يحمد الافتراض ويلعن الافتراض، يجن بالافتراض ويعشق بالافتراض ويسافر بالافتراض…
العائلة في المنزل الواحد لا تكاد تجتمع حتى على مائدة الطعام، يضطر الأهل أن يتقدموا بطلب مقابلة مع أحد أبنائهم إن أرادوا الالتقاء به على أرض الواقع في ذات المنزل، فجل وقته ووقتهم يكاد يكون مختزلا في شاشة ولوحة مفاتيح حتى صوته يأتيهم من خلالها. لقد ذبلت براعم العائلة على غصون الآلة الشاحبة وانطفأت حميمية العلاقة ونضبت موارد اللقاء الروحي في تيار الكهرباء وأثير الفضاء.
يكفي أن يملك الإنسان ذلك الجهاز الصديق اللدود والعدو الحميم، ليجد أن تفاصيل حياته ونبضات قلبه ورؤى مستقبله وسخطه وغضبه، فرحه وأمله، حله وترحاله.. عبارة عن افتراضات يعيشها ويتعايش معها حتى إذا ما اختل عنصر فيها تداعت له سائر العناصر بالسهر والحمى. لقد وصل الأمر إلى بالغ مداه حين غدا هذا العالم السحري حارس الخزانة وكاتم الأسرار -جلاد الذمم وشاهد العشاق- حافظ الأمن والسلام وحافر قبور الدهشة ومعول الانتقام.
قبل عام ونيف، حاولت اسرائيل وأمريكا تدمير مفاعلات إيران النووية باستخدام عالم الافتراض فأرسلتا فايروس ستوكسنت Stuxnet worm لتدمير أجهزة الطرد المركزية لمفاعلاتها النووية قبل المباشرة في عملها.. أمر كهذا قد يبتهج له البعض ممن غاب عن وعيهم تداعياته المثيرة والخطيرة – بدأ الفايروس في التدمير وأوقِفَ عند تلك البداية ولكن الأمر لم ينتهِ عند ذلك الحد فهو من الذكاء في أن يتظاهر بالمبيت الشتوي أو حتى نومة أهل الكهف ويستقظ فجأة ليحدث المفاجأة أو الفاجعة المدمرة. ماذا لو نشط هذا الفايروس الملثم بعد أن يكتمل البرنامج النووي الإيراني ليتفجر فجأة معلنا نهاية الحياة البشرية على واقع تكون دول الخليج العربي قاطبة وبعض الدول المجاورة لإيران ضمن مجال دائرة الخراب والدمار؟ يقال إن مخترع هذا الفايروس قد حدد صلاحيته لعام يموت بعدها تلقائيا لكنه تمرد على صانعه فآثر العيش طويلا ربما بعد أن استساغ حياته الجديدة مختبئاً في كهوف عالم الافتراض النووي!
بعيدا عن مخاطر الافتراض النووية، هل هناك مخاطر افتراض عاطفية؟ نعم وبكل تأكيد.. أصبحت علاقات الصداقة والمودة والألفة شائعة بين أصدقاء الافتراض بل تطور بعضها إلى علاقات حب وعشق وهيام، وتروى قصص عن ذهاب البعض ضحية لمثل تلك العلاقات الافتراضية. وربما هجر الزوج زوجته والزوجة زوجها لتعلق كل منهما بحكاية افتراضية لصديقة أو صديق جاء به هذا العالم الرهيب المهيب إلى قرار روحيهما وفكريهما وقلبيهما. قصص وحكايات لو سمع بها مؤلف كتاب ألف ليلة وليلة لأغنته بصدقها وحقيقتها عن مجهوده في ابتكار خرافة الجن والسحر التي زخرت بها حكاياته كونها أكثر خيالا وأبعد مدى من سحر السحرة وشياطين جزر الواق واق.
وتبقى حقيقة يشعر بها كل من تجرأ على الولوج إلى عالم الافتراض طوعا لا كراهية وبحسن نية لا سواها عن تلك العلاقة الغامضة التي ربطت بينه وبين آلته السحرية التي ألبسها روحه فتعلق بها تعلق محبوب بحبيبته فأصبح لا يفارقها أو تفارقه وأصبحت رفيقته في المنزل والمكتب والسفر حتى في سرير نومه. أجريت إحصائية في أمريكا على عدد الذين يصطحبون الأجهزة النقالة لمتابعة النت في أسرتهم فجاءت النتائج بأن معظم أولئك الذين يملكون تلك الأجهزة لا يفارقونها حتى لحظة مفارقة أعينهم لليقظة وغيابهم في السبات! وهناك من تبلغ معه الحالة جانبا أكثر تطرفا فيصاب بالألم والاكتئاب والحزن إذا ما اختلت صحة آلته تلك فانقطع عن عالم الافتراض.
ترى هل أصبح الافتراض بديلا عن الواقع؟ وهل وجد الإنسان ذاته في هذا العالم المليء بالمتناقضات والصور المعكوسة والمشبوهة والمرايا الخاطئة والصائبة؟ هل عثر على ضالته و ضلالته؟ هل اهتدى لوعيه وخرافته؟ هل أشبع روحه وعقله وقلبه؟ هل أمن واستقر أم ثار واستنكر؟ وأخيرا، هل كان هجرانه للواقع ولواذه بالافتراض ضرورة لإعادة التوازن المفقود في حياته لأسباب إما قهرية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها؟
بعد كل هذا وذاك، هل نحمد الافتراض أم نلعنه؟.. وهل نتخيلُنا بدونه؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٧) صفحة (١٨) بتاريخ (٢٠-٠٣-٢٠١٢)