لا أدري كيف قفزت أمامي صورة الموظفة الحكومية وهي تصفع محمد البوعزيزي الذي فجر انتحاره ربيعا في تونس عربياً لايزال يعيش مخاضاته.. أقول قفزت أمامي تلك الصورة بينما كنت أراقب امرأة تركية تصفع حبيبها صفعتين واحدة على الخد الأيمن والأخرى على الخد الأيسر، قبل أن يرد لها الصاع صاعين، بينما وقف الناس مدهوشين من المنظر بالقرب من ساحة الاستقلال بمدينة إسطنبول.
المشاجرة لم تستمر أكثر من دقيقتين، فقد تدخل البوليس السري سريعا وأوقف المهزلة في بلد يعتنق دستورا علمانيا ويحكمه حزب إسلامي «متنور» هو حزب العدالة والتنمية الذي يتيمن به جماعات الإخوان في مصر والمغرب وتونس وغيرها من البلدان العربية.
كنت أراقب مشاجرة المرأة مع زوجها أو عشيقها أو حبيبها، وأنا أحتسي «استكانة» شايا مركزة «سنقين» في إحدى مقاهي إسطنبول بعد يومين من الاجتماعات المتواصلة في مؤتمر للاشتراكية الدولية خصصت اجتماعاته للربيع العربي وكان موضوعه الرئيسي الحالة السورية المحاذية للحدود مع تركيا. كانت اجتماعات مكثفة غاب عنها الحزب الحاكم كونه ليس عضوا في الاشتراكية الدولية، في الوقت الذي حضر الحزب المعارض الرئيسي في البرلمان التركي «حزب الشعب من أجل الجمهورية» بزعامة كمال أوغلو، وحضور عشرات من أعضاء البرلمان المنتمين لحزبه. الحزب الحاكم كان حاضرا في مكان آخر، حيث تجرى ترتيبات مؤتمر المعارضة السورية على مسافة قريبة من المؤتمر.
وقد كان الوضع بين الاشتراكيين يقترب من الوضوح والتفاهم، بينما تسللت معلومات من مؤتمر المعارضة السورية تفيد بأن خلافات كأداء تحول دون التوصل إلى خلاصات مشتركة بين المؤتمرين، بينما كانت الفضائيات العربية تنقل مؤتمرا صحفيا لجماعة الإخوان المسلمين السوريين تطمئن فيه المجتمع الدولي عن طبيعة النظام الذي سوف تقيمه عندما يسقط نظام البعث السوري في دمشق.
تركيا لا تعبث مع الوقت، بل تسابقه في لهاث لكسب المعارك الإقليمية من أجل رفاهية المواطن التركي الذي تمكن الحزب الحاكم منذ العام 2002 من اقتراح معجزات اقتصادية عندما أحدث نقلة نوعية في مستوى حياة المواطن العادي، الذي لايضيره إذا كان علمانيا أو غير إسلامي لكنه يصوت لحزب العدالة والتنمية الذي يبدو أنه تمكن من الوصول إلى عقول الناس بعد أن حسن من مستوى معيشتهم وحول تركيا من دولة تعاني من نسب التضخم اليومية المتصاعدة إلى دولة لاتوجد في ليراتها أصفار كما كانت قبل انتزاع الحزب الحاكم السلطة من خصومه السياسيين بعد أن قدم أنموذجا حيا في طريقة إدارته للحكم من خلال سيطرته المتدرجة على البلديات وخصوصا الكبرى منها مثل بلدية مدينة إسطنبول وتفريعاتها.
لا شك أن الوضع التركي اليوم يعيش في تجلياته السياسية لما تلعبه الحكومة من أدوار مفصلية في الجوار العربي والإيراني، مستفيدة من الاضطرابات في سورية والعراق وتجاذبات الملف النووي الإيراني، وفي الوقت ذاته تراجع أداء اقتصاديات الاتحاد الأوروبي ومشكلاته المالية التي أصبحت عاملا مقلقا لكل الاتحاد بما فيه الدول الكبرى فيه مثل ألمانيا وفرنسا وذلك على خلفية وصول اليونان، غريمة تركيا وعدوتها السابقة بسبب المشكلة القبرصية، إلى حافة الإفلاس وعدم قدرة الاتحاد الأوروبي حتى الآن على تقديم الدواء المر الناجح للاقتصاد المترنح في أثينا.
ويبدو أن تركيا، حزب حاكم ومعارضة، تراهن على مكاسب تداعيات الوضع الإقليمي بعد أن تستقر الأمور في بلدان الاضطراب العربي المجاورة بينما تؤكد لدول الاتحاد الأوروبي أنها الدولة الأقدر على لعب الأدوار المزدوجة والمقبولة في المنطقة.
فهي قادرة على شد حبال الخلاف الإعلامي مع الكيان الصهيوني وإرسال سفينة الحرية وفي نفس الوقت تبقي على العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب رغم أن الأخيرة نفذت مجزرة في السفينة وأهانت قبلها السفير التركي في تل أبيب في واقعة الكراسي مختلفة المستويات الشهيرة.
لكن تركيا اليوم وهي تنتظر نتائج هذا الحراك في دول الجوار، ورغم بعض المكاسب السياسية التي تحولها إلى قبلة مناطقية، فإنها تخسر في الجانب الاقتصادي والتجاري، ولو مؤقتا، بسبب تراجع خطة زيادة التبادل التجاري بينها وبين إيران المحاصرة وسورية التي تدخل أبواب الحرب الأهلية والعراق الذي لايزال يعاني التداعيات الأمنية التي كشرت عن أنيابها قبيل القمة العربية التي بدأت أعمالها أمس.
تركيا هذه ليست بعيدة عن التداعيات الأمنية الداخلية، حيث تشير المعلومات عن عشرات الصحافيين إما معتقلين أو أنهم تم سوقهم إلى البطالة، وعشرات من طلبة الجامعات مثلهم يواجهون الفصل والاعتقال على خلفية مواقفهم السياسية.
وهذه حالة متقدمة من إشاحة الوجه عن شروط الاتحاد الأوروبي الذي تلهث أنقرة للدخول في عضويته وقدمت خلال السنوات السابقة الكثير من التنازلات من أجل أن تضاعف شراكتها التجارية التي تزيد اليوم عن المائة مليار دولار سنويا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١٧) صفحة (١٧) بتاريخ (٣٠-٠٣-٢٠١٢)