تأسست جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في مرحلة تاريخية حساسة ومهمة في الوقت نفسه. فقد تأسست بعد 27 عاماً على اكتشاف النفط في بلادنا. ومن موقع متواضع وشديد البساطة بارك الملك فيصل -رحمه الله- انطلاق «كلية البترول والمعادن» في منتصف ستينيات القرن الماضي، لتتولّى مهمة أساسية هي «صناعة» العقول السعودية النفطية.
وهي مهمة ليست سهلة حين نتذكر أن إدارة الثروة النفطية، حينها، كانت تحت تأثير «شركة الزيت العربية الأمريكية»، أرامكو التي تغيّرت، لاحقاً، إلى «شركة الزيت العربية السعودية». وبالتالي؛ بدت العلاقة بين «الشركة» و «الكلية» متداخلة إلى حدّ التشابك، في الوقت الذي تلحّ فيه الحاجة إلى إنتاج رجال سعوديين يحملون تعليماً نفطياً متقدماً، ولم يكن هناك من فرص إلا الابتعاث الذي تحمّلت أرامكو مسؤوليته في البداية.
وُلدت «الكلية» لا لتهتمّ بالثروة النفطية وحدها، بل ولتستشعر محيطها البيئي والاجتماعيّ الذي يحتاجها عملياً وأكاديمياً وأخلاقياً أيضاً. وراحت الكلية/ الوليدة تنمو عاماً بعد آخر، حتى آن أوان تحوّلها إلى «جامعة» متكاملة المرافق والاستعدادات والإمكانيات لتقدم رسالة علمية أعمق وأوسع وأكثر اتصالاً بالعلوم الحديثة. وهكذا كان؛ حيث تراكمت السنوات بعضها فوق بعض وصولاً إلى بناء نصف قرن من الإنتاج الأكاديمي والعلمي والبشريّ المهم والحيوي.
فرضت الجامعة أهميتها اعتماداً على أهمية الثروة النفطية في بلادنا، وما يتصل بها من علوم واختصاصات واستراتيجيات وثقافات. وصار خريج «البترول» واحداً من أكفأ الخريجين على مستوى مؤسساتنا الأكاديمية. بل وصار دخولها واحداً من أكثر الصعوبات التي تواجه حملة الثانوية. وبعد مراحل تطورها الأكاديمية داخل حرمها؛ أوجدت الجامعة لنفسها أذرعاً أكاديمية خارج مبانيها، فأنشأت كليات المجتمع لتطبّق معايير الجامعة الدقيقة والصارمة في إنتاج صفّ ثان من الفنيين المهرة ليمدوا سوق العمل باحتياجات أساسية استحوذ عليها غير السعوديين.
ومثلما اشتغلت في إنتاج البشر؛ حاولت الجامعة التواصل مع محيطها الاجتماعيّ على نحو أوسع، فخرجت منها البحوث العلمية الدقيقة المستقصية لكثير من قضايا التنمية واحتياجات المجتمع. ولعلّ في مركز البحوث شاهداً لافتاً على التفكير العلمي المتصل بالمجتمع السعوديّ على نحو عام، ومجتمع المنطقة الشرقية على وجه خاص. ناهيك عن ذلك, البرامج المسخرة للتواصل الاجتماعي والثقافي.
وحين تحتفل هذه المؤسسة بمناسبة مهمة؛ مثل مناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيسها؛ فإن ذلك يعني وجود تحديات جديدة على الجامعة أن تواجهها في بناء العقول السعودية وإمداد المستقبل، خاصة تحديات الطاقة التي يجب ألا تقتصر على البترول والمعادن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٢) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٢)