في كلمة عالية الشفافية بثّت هموم المواطنين والوطن تجاه التعليم

سعود بن عبدالمحسن: تعليمنا تقليدي ومدارسنا قاعات مليئة بالسأم وأطفالنا يجرجرون أقدامهم كمن يريد الفرار من المعتقل

126997.jpg
طباعة ٣٦ تعليقات

الدمام ـ علي آل فرحة، صالح الأحمد

-أصبحت المناهج صراعاً عقيماً بين مدارس فكرية متعددة لا علاقة لها لا بالتربية ولا بالتعليم
3 % -فقط من الطلاب السعوديين يعادل أداؤهم المتوسط المعياري العالمي في الرياضيات
-ربع الميزانية تنفقه الدولة على التعليم وعلى الرغم من الدعم المادي و«اللوجستي» فالمدخلات لا تتناسب مع المخرجات.. أليس هذا مخيباً للآمال؟
-نريد أن نرفع وصاية الأقلية على الأكثرية وأن نخرج من حساسيات الوصاية على التعليم والمزايدات
-ما لم نشغل ثرواتنا في بناء تعليم يبني وينتج ويُنجز فسنجد أنفسنا في ذيل القائمة
-يسوؤني أن أقرأ لشمعون بيريز الإسرائيلي أن بلاده تستثمر في عقول أبنائها أكثر مما تستثمره دول الخليج مجتمعة في نفطها
-التعليم لا يتوقف عند طمس أمية القراءة والكتابة وكيف نقرأ كتالوجات السلع المستوردة.. بل دوره أن يضعنا في مكاننا اللائق بين الأمم
-يحدونني أمل في سرعة إقامة الهيئة الوطنية للاعتماد وضمان الجودة لتحكم على خطوات قطاع التعليم
-الأرقام – أيها السادة- لاتكذب ولاتتجمل فميزانية تعليمنا تعادل ميزانية ست دول عربية

وضع أمير منطقة حائل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبدالمحسن تشخصياً شفافاً لواقع التعليم في المملكة، منتقداً كثيراً من الجوانب التي يعانيها التعليم، بلغة اتسمت بالصراحة. جاء ذلك لدى حضوره حفل جائزة الأمير محمد بن فهد للتفوق العلمي الـ 24 الذي كان الأمير سعود بن عبدالمحسن ضيف شرف فيها ومتحدثاً رئيساً.
وفيما يلي نص كلمته.

صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز
أصحاب السمو
أصحاب المعالي
أصحاب الفضيلة
أصحاب السعادة
الأخوة الحضور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

يسعدني كثيراً أن أتقدم بالشكر الجزيل لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد على دعوته الكريمة لحضور الاحتفال بجائزة سموه للتفوق العلمي لهذا العام. مؤكداً له ولكم أنه ليس أغلى ولا أعز على نفسي من أن أكون في محتفل يتصل بالتعليم. ومنطلقي في ذلك أنني أعتبر أن التعليم في حياة الأمم هو رمانة الميزان .. فبه تتقدم متى ما أحسنت توظيفه في بناء مستقبلها، وبه تتأخر متى ما جعلته مجرد صفوف لمحو الأمية وتخريج أنصاف المتعلمين.

ولعلي أنتهز هذه المناسبة التعليمية لأبث بعض همومي كمواطن عن قطاع التربية والتعليم خاصة أنني أرى كما يرى كثيرون أن حجم المدخلات في هذا القطاع مادياً ولوجستياً لا تتناسب أبداً مع حجم مخرجاته.. فعلى الرغم من الإنفاق السخي من قبل الدولة على هذا القطاع وعلى الرغم من توفر الإرادة الصادقة لتصويب مساراته .. إلا أن تعليمنا لا يزال يرتهن للأداء التقليدي الذي حول مدار مدارسنا إلى قاعات يملأها السأم والملل والضجر، يجرجر أطفالنا أقدامهم إليها كل صباح بكل تثاقل منتظرين قرع جرس الانصراف على أحر من الجمر ..تماما كما يريد من يفر من معتقل.

إن مقتضيات الأمانة الوطنية أيها الأخوة تستدعي أول ما تستدعي .. أن نتحلل من سلبياتنا، ومن توجساتنا غير المبررة، وأن نضع أيدينا في أيدي القائمين على التربية، وقبلها أن نضع النقاط على الحروف في صدقنا مع أنفسنا ومع انتمائنا لهذا الوطن وهذه الأمة .. دون مواربة أو مداهن، لأن الأمر يتصل بالتعليم الذي يشكل عماد نهضة الأمة، ومفتاح أبواب مستقبلها. طالما أننا في هذه البلاد نتفق على أهم الثوابت وأعزها علينا وهو رفض كل ما يتعارض مع الدين والعقيدة، ليبقى بعدئذ أن نتحرك في تلك المساحة الشاسعة لبناء تعليم ينجب لنا العلماء، ولا يتوقف عند طمس أمية القراءة والكتابة .. تعليم يعكس حقيقة شخصيتنا الإسلامية والعربية، ويضعها في مكانها اللائق بها بين الأمم، ويساهم في الابتكار والإبداع والاختراع .. لا تعليم يعلمنا كيف نقرأ «كتالوجات» السلع المستوردة وحسب.

ولا شك أنكم تعلمون جميعاً أن الموارد البشرية تمثل اليوم الثروة الحقيقية للأمم بوصفها الموارد الأكثر تجدداً، وغير القابلة للنضوب، والدراسات المعاصرة تؤكد على أهمية رأس المال البشري .. لذلك مالم نستغل ثرواتنا الراهنة، سواء على صعيد الإمكانيات المادية أو الديموغرافية في بناء نظام تعليمي متطور، يبني وينتج وينجز .. ويأخذنا من تحت عباءة التعليم التقليدي إلى فضاء التعليم بالقيمة وبما يحقق تحسين مستوى الحياة الكريمة، واستحقاقات التنمية، ومالم نحسن استثمار هذا الثراء لهذا الغرض فسنجد أنفسنا – لا سمح الله – ذات يوم في ذيل القائمة.

لقد زارنا ذات يوم – ولعلكم تتذكرون – رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد ، الذي قاد بلاده في ظرف عشرين عاماً من التقوت على منتجات المطاط والكاكاو .. إلى أحد أهم النمور الآسيوية التي تصنع اليوم النقالات الإلكترونية وتستقطب الاستثمارات الصناعية من مختلف أرجاء العالم، وقد ألقى محاضرة في جامعة الملك سعود، وكانت نصيحته الأولى والأخيرة .. هي أن نهتم بمادتي الرياضيات و العلوم.
ولأن الحكمة هي ضالة المؤمن .. فكم يسوؤني على الصعيد الشخصي أن أقرأ في مذكرات شيمون بيريز رئيس الكيان الأسرائيلي حينما يقول: إن بلاده تستثمر في عقول أبنائها أكثر من ما تستثمر دول الخليج مجتمعة في نفطها.

أريد أن أسال: ما الذي يحول بيننا وبين الاستثمار في عقول أبنائنا من خلال التعليم ؟ ما الذي يمنعنا من أن ننافس في مخرجاتنا التعليمية العالم الآخر، طالما أننا نملك الإرادة، ونملك الإمكانيات ؟
هل سنظل أسرى لوصاية بعضٍ وللخوف من التغيير ؟ .. وإلى متى ؟

أيها الأخوة الكرام نريد أن نخرج من حساسيات الوصاية على التعليم . نريد أن نتخلص من المزايدات فيما بيننا، فالدين هو دستور هذه الأمة وسقف كل فضاءاتها في التعليم وفي غير التعليم. والعلماء المسلمون الأوائل هم من أسس العلوم الحديثة في الجبر والطب والهندسة والفلك والبصريات وغيرها، وأسلافنا سيكونون أكثر سعادة بما ننجزه من أن نتغنى بأمجادهم.

صاحب السمو
أيها الأخوة الحضور:

إن تقويم أي نظام تعليمي يفترض أن يعتمد على الأداء النوعي بالدرجة الأولى، غير أن أدبيات تقويم هذا النظام في بلادنا .. ظلت تعتمد على مؤشرات الأداء الكمي مثل تطور أعداد المدارس، وزيادة أعداد الطلاب، وارتفاع معدلات الانفاق. وكل هذا يتم على حساب مقاييس التطور النوعي الذي يشكل موضع الرهان أو بيت القصيد كما يقال. فالمناهج التعليمية، وأساليب التدريس، وأنظمة التقويم .. ما تزال ترواح مكانها، وتعتمد على الحفظ والتلقين والاستذكار .. عوضاً عن التثقيف، وتوسيع المدارك وتنمية ملكات التلاميذ، وتطوير مهاراتهم في التفكير وفي الاستنتاج. كما أن الحجم الهائل من الحشو في المعلومات النظرية .. لايزال يأكل معظم الحصص الزمنية للمنهج .. دون أن يتيح مجالا للتعبير عن الرأي، والتفكير الحر الذي يؤسس لبناء الشخصية المستقلة والواثقة.

ومن المؤسف حقاً أن تطوير هذه المناهج قد توقف عند نقطة لا يبرحها أبدا .. بعد أن أصبحت تلك المناهج ميدان صراع عقيم .. بين مدراس فكرية متعددة، بعضها لا علاقة له لا بالتربية ولا بالتعليم، وقد أفضى هذا الصراع والتدخل السافر في مسائل تعليمية وتربوية صرفة إلى إشغال المعنيين بالتعليم عن واجباتهم، وعطل برامج تأهيل المعلمين .. حتى بدت تلك المناهج وكأنها هي حلبة الصراع الأكثر سخونة بين هؤلاء الفرقاء، وأصبحت التحدي الأبرز الذي يواجه تطوير العملية التعليمية في بلادنا.

كما أن فقدان التوازن في خريطة المنهج التعليمي .. أدى بدوره إلى إحداث شرخ كبير في نظامنا التعليمي، وقد اطلعت منذ فترة على تقرير صادر عن المركز الوطني للقياس يفيد بأن الطلبة الذين يحصلون على نسبة (90%) في اختبارات القياس يقلون في مجموعهم عن 2% من المجموع العام حسب المنحى الاعتدالي، وأن 80% من هذه النسبة المتدنية أصلاً من الطلبة غير السعوديين، كما تشير تصنيفات مادة العلوم والرياضيات في اختبار TIMSS للصف الثامن أي الثاني المتوسط أنها تقع في هامش يقل عن 10% كما تؤكد القياسات العالمية أن 3% من الطلاب السعوديين فقط يعادل أداءهم المتوسط المعياري العالمي في مادة الرياضيات، وتظهر اختبارات أرامكو أن 84% من خريجي المدارس الثانوية الذين يتقدمون للشركة يقعون في مستوياتٍ مكافئةٍ للصف الثاني المتوسط، وربما أقل.

ولا بد أنكم تتذكرون أن تقرير البنك الدولي قد وضع المملكة في مرتبة متدنية على مستوى العالم العربي، وتحديداً المرتبة 17 وهي مرتبة لا تليق بمستوى اهتمام المملكة ودرجة إنفاقها على هذا القطاع.
أليست هذه النتائج مخيبة للآمال، خاصة إذا ما نظرنا إلى الإنفاق الهائل الذي تعتمده الدولة حيث يذهب ربع الميزانية على الأقل لصالح قطاع التعليم، إذ تشير آخر إحصائية اطلعت عليها أن متوسط ما ينفق على الطالب السعودي يبلغ (19600) ريال ،وهو ما يزيد على ما ينفق على الطالب في كثير من دول العالم التي تقع اليوم على رأس هرم النظم التعليمية عالية الأداء.

الأرقام أيها السادة لا تكذب، ولا تتجمل، ولا تعرف المواربة أو الالتفاف… فعلى سبيل المثال عندما رجعت إلى الرقم المعتمد للتعليم في ميزانية هذا العام والذي بلغ (168) مليار ريال، وجدته يفوق إجمالي الميزانية العامة للدولة عام (1994 هـ) وهو ما يعادل ميزانية ست دول عربية من الوزن المتوسط.

لذلك فطالما أن الدولة تضع التعليم في مقدمة أولوياتها كسياسة عامة، وطالما أنه يحظى بكل هذا الدعم المالي الكبير، ويحظى بهذه الرعاية من الأولوية من كافة أركان الدولة عن كل ماعداها، فالسؤال المطروح هو أين تكمن تلك الحلقة المفقودة، هنا ينبغي أن تنصب كل اهتماماتنا وأفكارنا كمواطنين شركاء في هذه العملية، وهنا يجب أن نطلع بأمانة المواطنة، من أجل حماية المستقبل أن نضع أيدينا على موضع النزف، ونبدأ التطيب والتصويب.

وللإنصاف فإنني أدرك أن صاحب السمو الأمير فيصل بن عبدالله وزير التربية والتعليم، وكافة أركان وزارته.. يعرفون واقع التعليم عن كثب، وأدرك أنهم يعملون كل مافي وسعهم لإنجاز خيارات استراتيجية غير مسبوقة لتحسين ألأوضاع الراهنة، كما أنني أعلم جيداً أن مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم الذي انطلق منذ العام 1426هـ على مدى ست سنوات يركز على محاور هامة كتطوير المناهج ، وإعادة تأهيل المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية.. إلا أنه لن يكون بوسعهم أن يتحملوا كل هذه التحديات بمفردهم مالم نتحد جميعاً لوضع تلك الاستراتيجيات موضع التنفيذ، ونعتبر موضوع تطوير التعليم هو خيارنا المستقبلي، بل أنه التحدي الوطني الأهم باعتبار أن التعليم عملية مشتركة تتقاطع خطوطها مع خطوط رسمية واجتماعية، وأخرى وهمية وتجميده في قالبه القديم إما بدافع خوفٍ لا مبرر له، أو بدافع تسجيل الحضور والإعلان عن الذات ليس أكثر.

وعندما أقول إن العملية التعليمية عملية مشتركة فلا بد من أن أضرب مثالا لذلك فكلكم تعرفون تدني مستويات خريجي الجامعات التي كشفها اختبار القدرات الذي يقوم به مركز القياس الوطني، ومن بين هؤلاء الخريجين من يعمل في حقل التعليم، ولا أريد أن أذكر تلك النسب، ولا العلاقة الطردية بين مستوى المعلم وجودة العملية التعليمية.. لكنني سأكتفي بالإشارة إلى أن 49% من المعلمين في مدار التعليم العام قد حصلوا على تقدير ممتاز مقابل 5% من المعلمين في بلد كسنغافورا حصلوا على هذه النسبة على الرغم من المعايير العالمية التي تعتمدها هذه الدول في التأهيل والتدريب والقياس..أليس ذلك ما يثير التساؤلات.

إن قصور مخرجات التعليم عن مواكبة متطلبات التنمية المستدامة أصبحت إشكالية بارزة، التي باتت مادة يومية لنقاشاتنا الموسمية دونما أي طائل، هي ظاهرة تعد من أبرز مثالب نظامنا التعليمي، إذ لا تتوقف النتائج السالبة لهذه المعضلة عند حدود الفاقد المالي، أو الهدر الاقتصادي، أو ما يسفر عنه من بطالة صريحة أو مقنعة.. تتجلى مظاهرها في تدني الإنتاجية، وإنما الخطورة في ذلك هو الأثر السلبي المباشر لمنظومة هذه التداعيات، وإيقاعها على مفردات الحياة العامة ، واتساع الهوة بين مسارات النظام التعليمي، ومتطلبات الاقتصاد المعرفي، لذلك فإن خياراتنا في هذه المرحلة يجب أن تتمحور حول إيجاد آليات تعليمية تتجاوز الأنماط التقليدية السائدة للاستفادة من فرص الإنفاق الهائل في تدوير العائد التعليمي، ورفع القيمة المضافة للوطن، فلا الدعم السخي ولا النيات الطيبة تكفي لتحقيق الجودة التي يحلم بها كل مواطن غيور على مستقبل بلاده وأبنائها، وهذا ما يجعلني أنتهز هذه المناسبة التعليمية لأطالب بتكامل الجهود الوطنية ، ورفع وصاية الأقلية عن الأكثرية التي تعرف أن مستقبلها ومستقبل أجيالها مرهون بتطور هذا القطاع، وأن يكون هناك دور إيجابي للأكثرية الصامته فالتعليم لم يعد مجرد كتاب ومعلم وسبورة ولا يجوز أن يكون باباً من أبواب الضمان الاجتماعي لتوظيف الخريجين بصرف النظر عن جدارتهم، وإنما هو الذراع الذي نناوش به المستقبل، وهو عماد التنمية البشرية التي تقوم على كفاءة العنصر البشري، واستيعاب المعارف المعاصرة التي تشكل مفتاح الرقي الحقيقي، أيها الأخوة الكرام يحدوني أمل كبير في سرعة إقامة الهيئة الوطنية للاعتماد، وضمان الجودة التي سبق أن أمر بتشكيلها خادم الحرمين الشريفين أيده الله لتكون في موقع الحكم في قياس خطوات هذا القطاع الذي يجب أن تحسب بالثواني وصولاً إلى غدٍ مشرق ينتظره ويحلم به الجميع

أشكركم على حسن الاستماع، وأشكركم أيضاً على إتاحة هذه الفرصة لي لتقديم رؤيتي كمواطن حول التعليم بشكل موجز، وبكثير من الشفافية التي لا دافع لها يشهد الله سوى الغيرة على هذه البلاد وأهلها ، والحلم في أن يكون نظامنا التعليمي بمثابة ناقل الحركة، المؤهل فعلاً ومضمونا لأن يضعنا في المكان الذي نستحقه كوطن

أشكركم مرة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٥) صفحة (٢٥) بتاريخ (٠٧-٠٤-٢٠١٢)