سببت هوساً لمشتركي «فيس بوك» و«تويتر» و«ماسنجر» و«بلاك بيري» و«واتس أب»

«شائعات مجهولة المصدر» تنتشر في وسائل الاتصال.. ومختصون يحذرون.. وعلماء: مروجوها فاسقون

128560.jpg
طباعة التعليقات

جازانأمل مدربا

تنتشر الشائعات المجهولة المصدر بين حين وآخر، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر.. إلخ)، والماسنجر والمواقع الإلكترونية والمنتديات وخدمات البلاك بيري والبي بي والواتس أب، بشكل أصبح يشكل هوساً يومياً لمشتركيها، والغريب أن هذه الشائعات والأخبار المغلوطة دائماً ما تنسب للصحف، والقنوات التلفزيونية، والإذاعية، أو غيرها من الجهات الموثوقة بهدف منحها صبغة رسمية ومرجعية، من قِبَل مروجيها، الذين يصفهم عدد من علماء النفس بأنهم من ذوي الشخصيات «السيكوباتية»، المنافية لأخلاق المجتمع، وزاد بعضهم بوصفهم أنهم ضائعو الهوية، وفاقدو الهدف، ووصفهم علماء الدين بالفاسقين، وناشري البلبلة والفوضى في المجتمع.
وأكدت دراسة نفسية سعودية أن الشائعة تتغير 70% عن مصدرها الأصلي من خلال انتقالها عبر عدد من الناس، كل منهم يسعى لتصديقها بما يتفق ورغبته في التصديق أو التكذيب، وأن الرجل والمرأة يتساويان في مستوى تلقي الشائعة، سواء بالإيجاب أو النفي، كما أن الشائعة ليست سلبية دائمًا، إذ من خلالها يمكن معرفة مدى تقبل الناس واستعدادهم لأي حدث من الممكن توقعه، أو حدوثه، والتنبؤ بردود الأفعال مسبقًا، وهذا يسهِّل كثيرًا على صنَّاع القرار في اتخاذ القرار المناسب.

غياب جماعي

وصفت المعلمة حصة خالد الشائعات بالمربكة وقالت «تتغيب كثير من الطالبات، في بعض الأيام التي تصادف المناسبات الوطنية، أو حتى مواسم الأمطار أو الغبار، بدعوى أنها إجازة أُمِر بها، ووصلت إليهن عن طريق البلاك بيري، أو أن الأرصاد حذرت من الخروج من المنازل لوجود موجة غبار كثيفة، أو أمطار غزيرة ووصلتهن عن طريق البلاك بيري أيضا، وأصبح الغياب الجماعي في المدارس ظاهرة مستمرة بسبب الشائعات أو مواقع التواصل التي يتفق الفتيات فيها على ذلك»، وتضيف «كنت في السابق أقوم بتأجيل الحصة إلى يوم آخر، مما يربك خطة المنهج لدي، ويؤخرني، لكني في الفترة الأخيرة عدلت عن ذلك وأصبحت أشرح درسي ولو كانت الحاضرة طالبة واحدة فقط».

أرقام شباب

وتقول «باسمة» «إن شائعات البلاك بيري ومواقع التواصل لا تتعلق فقط بالإجازات، فهناك ما هو أخطر، وتقريبا في كل يوم تصلني شائعة عن فقدان أم لابنها أو ابنتها الصغيرة، ويرفقون صورا لأطفال ويضعون أرقاما للتواصل مع أهلهم ساعة إيجادهم، وقد حاولت إحدى صديقاتها الاتصال على رقم من تلك الأرقام، وكان المفاجأة أنه شاب يريد التعرف والصداقة. وتوافقها هند علي وتقول «في كل يوم تصلني دعوى للتبرع بالمال لأحد الآباء أو الأمهات المريض طفلهما أو المحتضر، وفي مرة من المرات حاولت الاتصال لكن أختي منعتني لأنها قرأت سابقا أن تلك الأرقام المرفقة ما هي إلا أرقام شباب يريدون المعاكسة، أو فتيات اتصلن عليهم وقاموا بنشر أرقامهن».

خداع واستغلال

وعبرت أطياف نجيب عن أسفها وأنها قامت بإلغاء الخدمة بعد أن وقعت مرات عديدة في فخ الشائعات وتقول «من فترة لأخرى يصلني برود كاست يقول إن شركة الاتصالات ستقوم بتحديث البيانات، وعليه لا بد أن أقوم بإرسال رسالة مكونة من أرقام مرفقة مع البرود كاست للخدمة وإلا تعذر إعادتها، وحين أعاود إرسالها خشية انقطاع الخدمة علي، يتضح أنها عبارة عن تحويل للرصيد للرقم المدون» وترى مروة علي أن تلك الشائعات لا تنطلي إلا على جديدي الخدمة، ولا تمر على من عاشرها زمنا، وأصبح عارفا بأنواع الحيل التي يستغل بها البعض لجهلهم، ومحاولة قليلي الذمة لنشر الأرقام لعبة سخيفة من قبل ظهور هذه الخدمات.

غيرة وحسد

وتقول نورة موسى «طلقت صديقتي من زوجها بسبب شائعة كتبت على صفحتها في الفيسبوك، ولم يتأكد من مصدرها ومدى صحتها، حيث نشرت تلك الشائعة أكاذيب وشوهت صورة صديقتي، وسمعتها، وكانت إحدى الزميلات التي تدرس معنا بنفس الجامعة هي من فعل ذلك بدافع الحسد، والغيرة، والحقد»، وتشعر أمل عز الدين بالخوف كلما سمعت تلك القصص وتقول» مع تفشي الإنترنت في حياة الناس، ووسائل الإعلام الجديدة انتشرت الشائعة الإلكترونية، التي يبدو تأثيرها أضخم بكثير من أثر الشائعة العادية المعروفة، حتى أصبحت أتردد في تصديق كل ما يصلني من أخبار، أو اكتشافات، فكثيرا ما يصلني أن فلانا مات بحادث وتصور جثته، دون تصور لشعور عائلته حال وصول الخبر لها، إن كان لا يتعدى الشائعة، حتى شائعات الاكتشافات الطبية المروجة مثل :»إغلاق فتحة الأنف اليسرى أصبح علاجا للصداع مثلا!!».

شخصيته عدائية

ويبين الدكتور وليد الزهراني الاختصاصي النفسي الإكلينيكي أن أسباب الشائعات قد تكون نفسية، وقال «ربما كان إطلاق الشائعة نتيجة لمشكلة نفسية تصيب الشخص نفسه، أو لدى شعوره بالغيرة، أو بدعوى الحسد والحقد من باب أذية الغير كسلوك سلبي أو من باب التقليد في مجتمع تنتشر فيه الشائعات فيحاكي مجتمعه، أو لعله من حب الشخص للفت الانتباه والأنظار حتى يتميز بأخباره الجديدة، وموضوعاته المتنوعة حين يجد قبولاً لها في محيطه، ومطلق الشائعة قد يعاني مشكله سلوكية أكثر منها نفسية، خاصة من يمتلك مشاعر عدائية لأناس معينين، فيحاول تشويه سمعة من يعاديه، أو الدخول في شرفه، وعرضه، وتكون منتشرة بين النساء أكثر من الرجال، ولا يقتصر الوضع على مواقع التواصل فنجدها حتى في الاجتماعات الأسرية.

مصادر متعددة

وأضاف الزهراني «مطلق الشائعة دائما يجعلها مقصودة ويكون الارتباك في نسبها لمصدر مختلف كلما أعادها بـ «سمعت» أو «علمت» من مصادر متعددة، والمشكلة كذلك تمتد لمن يصدق الشائعة ويقع في قلبه حقيقة كل ما يسمع وهو ما يشجع مطلقها ويعززه ويدعمه فكلما أطلقها ولقي مردودها زاد أكثر وأكثر، فالمتلقي إذاً له دور أيضا والإنسان المنطقي والواقعي هو من لا يصدق إلا ما يراه بعينه ويسمعه بأذنه، وما ينتشر في مواقع التواصل من شائعات تطال المشايخ والعلماء ولاعبي الكرة والممثلين والنجوم دائما يكون بهدف تشويه سمعتهم، وقذفهم، وهو راجع لتربية الشخص نفسه، وهذا ما يطلق عليه في علم النفس بالشخصية المنافية لأخلاق المجتمع أو الشخصية «السيكوباتية» العدائية.

فقدان للهدف

وأكدت اختصاصية علم النفس إلهام حسن أن من أهم دوافع الشائعات الإلكترونية الترفيه وجذب الانتباه وكذلك العدوانية، وأن مروّج الشائعة يُسقط ما يضمره في نفسه، كالخوف أو الإهمال أو الخيانة أو الرشوة أو التضليل، على الآخرين. وغالباً ما يركّز المروجون للشائعات على وتر الوطنية، والجنس، لتكون أسرع انتشاراً وأكثر تداولاً بين المتلقّين، وتؤكد «حسن» أن مطلق الشائعة يعاني فقدان الهدف في حياته، فيبحث عن أمور قد تكون تافهة، لكنها في نظره ذات هدف عظيم، فيصرف جهده ووقته عليها، مشيرة إلى أن كثيرا منهم يعانون أمراضا نفسية، واتزانهم مفقود، فيسعون وراء أمور سطحية، ويطلقون لخيالهم العنان فيها ظناً منهم أنها أمور تستحق البت فيها، ويستطيعون أن يجذبوا الكثير إليهم، ودافعهم الحقد دائما.

نشر للفواحش

وقال الدكتور والداعية الإسلامي عبدالله المانع «لا شك أن نشر واختراع الشائعات محرم والله تعالى يقول «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا» ويرى أن ضررها كبير بالمجتمع، ولا يمكن التنبؤ بأخبارها لما لها من الفساد في الحاضر والمستقبل، من شائعة الخوف، والفوضى، وإلهاء عن المهمات، وزعزعة الأعمال المنظمة وغيرها الكثير، والواجب على المسلم كما دلت آية سورة النساء أن يرد هذا الأمر لله ثم الرسول والعلماء، وعدم إذاعته، كما قال تعالى «أَذَاعُوا بِهِ» أي نشروه من غير أن يتأكدوا منه، أو تأكدوا منه ولم يعرفوا ما يفعلون حياله ولذلك يقول تعالى «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» فيرد هذا الأمر للعلماء الموثوق بهم، ليستخلصوا منه الأمر الشرعي. ويؤكد إثارة الشائعات المنتشرة بمواقع التواصل والبلاك بيري للبلبلة، وأنها محرمة كغيرها من الشائعات ما لم يتأكد من صحتها، خصوصا ما يتحدث في أعراض الناس، وينشر أرقامهم، أو صورهم بهدف الفوضى، ونشر الفواحش بالمجتمع، واكتساب فاعلها للإثم.

إصدار قانون

ويقول أستاذ علم القراءات المشارك في الجامعة الإسلامية الدكتور عادل إبراهيم «حين يكون لبضعة حروف تُطبع على لوحة مفاتيح الكمبيوتر القدرة على أن تدمر عائلة أو تفرق أعزاء أو تشوه سمعة، يحق أن يكون مروج الشائعة إنسانا فاسقا، من المفسدين في الأرض، لأن واجب الإنسان أن يحفظ لسانه ويتأكد من الكلام الذي يقوله حتى لا يتسبب في إلحاق الأذى بالمجتمع، فهناك قاعدة فقهية تقول «المتسبب كالمباشر»، والحديث النبوي الشريف يقول «لا ضرر ولا ضرار»، والقرآن الكريم رسم المنهج الذي يجب أن نتعامل به في حال ذيوع الشائعات، وذلك في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، فأي مجتمع عرضة لهذه الشائعات، لكن الواجب على العقلاء والحكماء أن يتصدوا لهذا الأمر بالتصحيح الفوري، ولا بد من إصدار قانون يجرّم إطلاق الشائعة ويجيز التحقيق مع أصحاب المواقع التي تسمح ببثها من دون التثبّت من صحتها، لما لها من مفاسد عظيمة بالمجتمع المسلم، وهي من سمات المفرطين في الدين، ومن سمات الأعداء.

ثقافة الشائعات

وأكد إبراهيم أن تداول المعلومات الدينية غيرالصحيحة أصبح منتشرا بسبب عدم تركيز المتلقين على المحتوى فقد يستقبلون ثم يرسلون فقط، والأمر هنا خطير جدا، وهو من البدع التي لا يجوز نشرها، ويؤثم فاعلها، ولا بد من التحقق من المعلومة من مصادرها الشرعية، وبثّ الوعي من خلال التربية الأسرية الصحيحة والإعلامية الصادقة، والمنهجية الهادفة في المدارس يكون أساسها نبذ «ثقافة الشائعات».

مفسدة للوطن

وقال المحامي بندر يحيى المختص في القضايا المدنية والتجارية «إن الشائعات مفسدة للوطن لقوله تعالى «لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا» وهي خيانة عظمى أمر الله بقتل المنافق فيها لأنه يشيع الفتن والبلبلة، ويسبب الفوضى في الدولة، والحكم القضائي فيما يتعلق بالشائعات السياسية أو الدولية، هو القتل أو الطرد والنفي أو التعزير حسب قوة الشائعة، وضرر إطلاقها، أما ما يتعلق بالأشخاص والأفراد فالعقوبة فيها تعزيرية مقدرة حسب ضرر الشائعة بالفرد الذي أشيعت عنه وليس لها حكم خاص أو محدد، قد تصل للسجن لمدة خمس أو ست سنوات، والحكم فيها ينقسم إلى حقين: حق عام، وحق خاص، العام يقدره القاضي بالسجن، والحق الخاص يقوم فيه بإبانة الأضرار الناتجة عنها، والخسائر التي تعرض لها الشخص المشاع عنه، ويحكم له القاضي بتعويض خسائره بغرامات تقدر يغرمها مطلق الشائعة.

فلترة الثلاثية

وأوضحت أستاذة علم الاجتماع حنان الشريف أنه مع ظهور تقنية الاتصال السريع عبر برنامج «الواتس آب» و»البلاك بيري» وانتشار أجهزة «الآيفون» أخذت الشائعات بالسيطرة على المشهد فبات المزاح فيها نوعا من «الثقافة المرحة». مؤكدة أنه لا أحد يستطيع إيجاد تفسير دقيق لهرولة البعض لصناعة الشائعات السلبية والتلذذ بانتشارها في أرجاء الوطن فقد يكون الطيش سببا أو المراهقة وقلة الخبرة أو المعاناة من مرض نفسي أو حتى الإجرام وكره المجتمع، موضحة أن الشائعات تظهر وتنتشر في الأوقات التي تزداد فيها رغبات الجماهير واهتماماتهم لذلك، وهناك عدة أسباب تساعد على انتشار الشائعة، منها: أن تكون متضمنة معلومات أو قضية مهمة بالنسبة للجمهور،وأن تكون متسقة مع اتجاهات الأفراد وميولهم وتوقعاتهم، وعندما لا يكون هناك اتساق بين الأهداف وأساليب تحقيقها، كما أن لشخصية ناقل الشائعة، وميوله، واتجاهاته ومركزه الاجتماعي، وصلته بمصدر الشائعة دورا كبيرا، ويلاحظ انتشار الشائعة في الظروف الغامضة التي تتضارب فيها المعلومات وتقل الثقة في مصادر المعلومات الرسمية مثل أوقات الحروب والإضرابات والتوترات والفوضى. وهو ما يسمى بنظرية «الفلترة الثلاثية».
 

الشائعة.. جريمة شروع في «كذب»!

قراءة: محمد بن علي البيشي /  أستاذ السياسة الشرعية

غالباً ما تكون «الأزمات» بـيئة خصبة لتداول الأخبار المتناقضة؛ باختلاف مستوياتها وظروفها، لهول موقفها وسرعة تداعياتها التي لا تمهل أصحابَ الشأن وقتاً لقراءتها، واتخاذ القرار الأمثل حيالها، والتي تساعد كثيراً في وضع المبررات المناسبة لها حتى لا تتسرب الأخبار التي تؤدي إلى إعطاء صورة مغلوطة عن الحدث.. في هذا الظرف الهستيري المحموم، تنشأ «الشـائعة»، ما بين مقل ومستكثر لها؛ إذ إن العقول غير النقدية مهيئةٌ لتلقيها ونشرها دون التفات لأثرها.
وللأسف، لا زال هذا الوبـاء -عذراً- لا زالت هذه الثقافة متقبلةً لدى شريحة واسعة من الناس، بل حتى لدى من يُشار إليهم بأنهم أهل نضج وتأنٍّ، إذ يبنون قصور آمالهم على بحر «ثقافة الشائعة»، ويتلذذون بقضاء أوقاتهم في الحديث مع صورها، ويُـشَـكِّل آخرون بها شخصيات وهمية يكيلون لها الشتائم ويشهرون السلاح في وجهها، وقد تـنـتـهي أعمارهم ولـمَّــا ينقضي هذا الصراع.. هكذا هم متقبلوا الشائعات، وكذا أيضاً حال مسوِّقيها.
الأعجب من هذا كله، تلك القضايا التي تجوب أروقة التحقيق والمحاكم، وغاية أمرِها صُدورُها كشائعة من مُغرضٍ أو هاوٍ، فيفتك الصديق بصديقه والرئيس بمرؤوسه، والزوجة تحيك نسيج الشكوك على زوجها! وقد استشرى هذا المرض وراج كثيراً، متجاوزاً حدود التلقِّي لدى بعض الفضلاء فقط. وأصبحت الشائعة تسوَّق على أشخاص أو جهات، ويتم قبولها -للأسف- دون تروٍّ وتـثبُّت، ومن ثمَّ تُصدَر أحكام وتوزَّع اتهامات، حيث يكون بإمكانها حينئذٍ رفع أقوام ووضع آخرين بمجرد الترويج لأكاذيب «طائشة».
«حادثة الإفك» كانت بسبب شائعة بثها ابن سلول، تحقيقاً لمشروع انتقامي من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقبلها وسوَّقها أناس من أقرباء عائشة رضي الله عنها؛ ما دفع النبي صلى الله عليه وسلم، لمناقشة مستشاريه في إبقائها أو تطليقها، بل واعتزلها مدة معينة لولا براءة الله لها.
وقد تتصارع الشائعات -أيها أسبق- في محيط تكوين الثروات، خاصة إذا عُلم أن التبادلات التجارية تقوم على مبدأين خطرين، هما: خوف الإفلاس السريع، ووجود الثقة.
وأحيانا يمارس «الإعلام المستأجر» تسويق الشائعات ليكون موضع تجاذب، وحين ينحرف عن رسالته، فإنه يتورط في نشر شائعات كاذبة تأخذ صورة الأخبار أو التحقيقات أو المقالات أو الصور الكاريكاتيرية، فيبتدئ بتزوير الحقائق والأحداث!
ولا شك أن الحل يكمن في تطبيق حديث: «كفى بالمرء كذباً، أن يحدِّث بكل ما سمع»، وذلك فيما يخص قضايا الأفراد. وعلى المستوى المؤسساتي في القطاعين الحكومي والخاص، يجدر الحرص على تخصيص «متحدث رسمي» بمختلف تلك القطاعات، لتفادي سياسة التعتيم والوقوع في براثن تأويلات الشائعات. كما يجب في الأطر الرسمية، الاهتمام بالإسراع في صناعة قرار «حكيم» يعالج أي أزمة، وطابع السرعة من أهم مقوماته، لئلا تتفاقم تلك الأزمة بسبب شراك الشائعات أيضاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٧) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٩-٠٤-٢٠١٢)