يروى في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يخطب في الناس من على منبر المسجد فتوقف برهة وصاح «يا سارية الجبل الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم».
لم يفهم المصلون حينها ما الذي يعنيه أمير المؤمنين، ومرت شهور كان فيها القائد الإسلامي سارية بن زُنيم الدؤلي يقود حملة فتح إسلامي في بلاد فارس وحين عاد منتصرا دخل على الخليفة عمر يخبره بما حدث له فقال: تكاثر العدو على جنود المسلمين وأصبحنا في خطر عظيم، فسمعت صوتاً ينادي: «يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم»، عندئذ التجأت بأصحابي إلى سفح جبل واتخذت ذروته درءاً لنا يحمي مؤخرة الجيش، وواجهنا الفرس من جهة واحدة، فما كانت إلا ساعة حتى فتح الله علينا وانتصرنا عليهم».
هل فكر أحدكم كيف تحدث عملية التخاطر عن بعد تلك؟! وكم منا لا يتمنى أن يصبح أحد أولئك أصحاب الكرامات؟!
الأمر لم يعد معجزة في رأي بعض العلماء، فقد زعم علماء الفيزياء في العصر الحديث أنهم كشفوا سر هذه (الكرامة) وأن الأمر سوف يصبح -برأيهم- في المستقبل القريب ممكنا لجميع البشر تماما كالنت والهاتف والتلفاز وغيرها، باعتبار أن هذه أيضا تمثل شكلا من أشكال التخاطر عن بعد!
ولا أدري كيف يستقيم زعمهم هذا مع أن الفارق كبير بين استخدام هذه التقنيات والكرامة التي يهبها الله تعالى للصالحين من عباده.
يحدثنا العالم الفيزيائي ميتشو كاكو عن مستقبل البشرية بأن الكثير من الأشياء التي كانت تدخل في علم الخيال والمستحيل ستصبح واقعا طبيعيا ومن أبسطها عملية التخاطر، فسوف يكون بإمكان العلم الحديث توفير إمكانية الاتصال بأشخاص واستحضارهم فيما يشبه عملية التخاطر؛ حيث يجتمع الأشخاص وأفراد العائلة في لحظة واحدة من جميع أقطاب العالم على حائط منزلك بمجرد التفكير بهم واستحضارهم والتحاور معهم.
ثم يخبرنا بأن أجهزة الكمبيوتر المعروفة ستختفي في هذا المستقبل لتحل محلها شريحة إليكترونية تزرع في مخ الإنسان تترجم له رغباته ومتطلباته ويستطيع بواسطتها تحريك الأشياء عن بعد أو عدسات لاصقة تأتي لنا بما نوده ونشتهيه بمجرد التفكير به -على حد زعمه- والتي قد تلغي عملية الكذب من قاموس الحياة، فبمجرد نظرتك لشخص ما تستطيع قراءته وتحليل شخصيته وأفكاره وترجمة لغته إلى لغة تفهمها؛ حيث تظهر لوحة إلى جانبه تترجم تلك اللغة إلى لغتك.
أما إذا ما أصبت بعارض صحي فيكفي نظرة بتلك العدسات إلى جدار منزلك يظهر لك طبيب افتراضي يشخص حالتك من خلال المعلومات التي درَسَتها تلك العدسة ليصف الداء والدواء فلا حاجة لك بزيارة مشفى أو طبيب! كما سيصبح بالإمكان إنتاج أعضاء جسد الإنسان لاستبدال التالف منها باستمرار وهذا -حسب ما يعتقده العالم كاكو- سيوفر إمكانية استمرار الحياة لعقود طويلة، بل إنه سيتمكن الإنسان في المستقبل المنظور من إيقاف عجلة الزمن عند سن معينة ليمتد عمر الإنسان سنوات وسنوات دون حدوث تغيير بيولوجي يذكر عن مستوى تلك الفئة العمرية، وأعتقد أن هذه الرؤى ضرب من الخيال العلمي، إذ لكل أجل كتاب، وأن كل إنسان لابد أن تتحقق فيه سنة الله في خلقه ويمر بالمراحل العمرية التي ذكرها الله تعالى في كتابة العزيز.
ولكن على أية حال، إن هذه البشرى العلمية الخيالية ستتمنى النساء تحقيقها أكثر من الرجال وستنتظرها بفارغ اللهفة والشغف!
يرى هذا العالم الفيزيائي ميتشو كاكو أننا لا نزال نعيش المستوى صفر من الحضارة ولم نصل بعد برغم كل هذه التقنية سوى إلى عالم بدائي متمثلا في عملية الاتصال التي يسميها المرحلة الأولى من فكرة الهاتف، ولكن بدخولنا علم التكنولوجيا الذي يبشر به فإننا سوف نبدأ المرحلة رقم (1) من الحضارة التي يراها مراحل متعددة من التطور.
ترى هل من الممكن أن تتحقق بعض آراء كاكو؟ ربما تترجم السنوات العشر القادمة بعضا من تلك الأفكار خاصة فيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، أما مسألة إطالة سنوات العمر أو القضاء على الشيخوخة التي يبشر بها، وأمور أخرى يقول إنه قام بتجربة بعضها شخصيا لكنها لا تزال حبيسة أدراج المفاجأة، فأعتقد أنها لن تتجاوز صناديق الخيال العلمي!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٢٨) صفحة (١٤) بتاريخ (١٠-٠٤-٢٠١٢)