بعد مرور أكثر من عام على الأزمة السياسية التي تعصف بالبحرين دون وجود ملامح لضوء في آخر النفق الأمني الذي تسير فيه، لاح وميض من مكان آخر قد يكون غير متوقع، عندما نجح تجار البحرين في الحفاظ على كيانهم «غرفة تجارة وصناعة البحرين» في اجتماع عاصف للتجار المسجلين في عضويتها وتمكنوا من الخروج من عنق الزجاجة الذي كانوا محشورين فيه وتسبب في استنزاف طاقاتهم وقدراتهم على الاستمرار في ظل الأوضاع غير المستقرة. تمكن تجار البحرين من الحوار والوصول إلى خلاصات أعطت الآخرين أملا في أن يتوصل السياسيون إلى قناعة بالحوار الجاد الذي يخرج البحرين من المأزق الذي تعاني منه وينذر استمراره بضربات قاصمة للنسيج المجتمعي والسلم الأهلي.. فماذا فعل تجار البحرين ليتجاوزوا محنة غرفتهم العريقة؟
تعد هذه واحدة من المرات النادرة التي تتحقق فيها أغلبية كبيرة لاجتماع الجمعية العمومية. حدث هذا يوم الثامن من إبريل الجاري عندما عقدت الجمعية العمومية للغرفة التي تعد أعرق غرفة تجارية في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يزيد عمرها على الثمانين عاماً.
تركز اجتماع الجمعية العمومية على إعادة عضوية عضوي مجلس الإدارة: عادل العالي، صاحب واحدة من أكبر شركات المقاولات في البحرين، والثاني تاجر المواد الغذائية إبراهيم الدعيسي، إضافة إلى عشرة مديرين وموظفين تم فصلهم أثناء الأحداث التي مرت بها البحرين العام الماضي. ويمكن القول إن الاجتماع شهد نقاشات حادة وعاصفة ومطولة لكنها ديمقراطية تعبر عن أصالة الصرح التجاري الذي يطلق عليه أهله بيت التجار. فاعتذار رئيس الغرفة الدكتور عصام فخرو أمام الجمعية العمومية لما حصل من إجراء ضد العضوين اللذين تم فصلهما من مجلس الإدارة، شكل منعطفا في سير أعمال الاجتماع الذي كاد أن يتفجر من الداخل لولا حكمة بعض العقلاء الذين أنقذوا الموقف في لحظات حاسمة من الاجتماع. كما أن قرار إعادتهما إلى منصبيهما وقرار إعادة المديرين والموظفين إلى مواقع عملهم بعد عام من الإقالة التعسفية، شكل أريحية للأغلبية الساحقة من الحضور الذي أراد في بادئ الأمر اتخاذ خطوات جراحية كبرى بما فيها إقالة الرئيس التنفيذي للغرفة الذي وجه المجتمعون له اتهامات بتغيير محاضر اجتماعات مجلس الإدارة واتخاذ قرارات فصل الموظفين، إلا أن المجتمعين قرروا في نهاية الأمر تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة تقف على الحقيقة وتوصي بما تراه مناسبا.
الشروع في إعادة المياه إلى مجاريها في الصرح التجاري البحريني وتصحيح الاعوجاج الذي عانى منه لأكثر من عام، جاء بعد قرابة خمسة أشهر على صدور تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق التي أمر جلالة الملك البحريني بتشكيلها من قضاة دوليين مشهود لهم بالخبرة والحيادية والاستقلالية. وهذه اللجنة ولدت بعد مخاضات عسيرة لتشكيل لجنة دولية تابعة للأمم المتحدة أرادت التحقيق فيما جرى من أحداث خلال شهري فبراير ومارس من العام الماضي. تشكيل لجنة التقصي، التي أصبحت تعرف بلجنة بسيوني نسبة للبروفسور الأمريكي من أصل مصري محمود شريف بسيوني، وإصدارها لتوصيات جريئة إزاء ما حدث وإعلانها أمام العالم وموافقة البحرين ممثلة في جلالة الملك على التوصيات وإعلانه الالتزام بتنفيذها، شكل نقلة نوعية في الحراك السياسي البحريني، ذلك أن بعض التوصيات تمس مباشرة الهيكل الإداري – السياسي للمملكة الخليجية، مثل طلب اللجنة إعفاء بعض المسؤولين من مناصبهم باعتبارهم أطرافا سلبية في الأزمة الداخلية، وتقديم المسؤولين عن وفاة بعض المعتقلين تحت التعذيب للمحاكمة العادلة، وإعادة جميع المفصولين إلى أعمالهم على خلفية آرائهم السياسية، والإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين باعتبارهم سجناء رأي، تكفل النظم والقوانين المحلية والدولية حقهم في التعبير السلمي عن أرائهم، وفتح وسائل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي لمختلف الآراء على قاعدة الرأي والرأي الآخر. كل هذا جزء من حزمة التوصيات التي خرج بها تقرير لجنة تقصي الحقائق، وهي توصيات كثفها السيد بسيوني في خطابه لتصل إلى سبع عشرة توصية.
بيد أن أكثر التوصيات التي لاتزال تثير جدلا كبيرا هي توصية إعادة نحو خمسة آلاف موظف تم فصلهم تعسفيا في القطاعين العام والخاص إلى أعمالهم. وهي النقطة المركزية التي انطلق منها تجار البحرين لتصويب الأخطاء التي حصلت خلال الفترة الماضية، ويمكن البناء عليها لتمتد إلى بقية الشركات الكبرى والمتوسطة ووزارات الدولة ومؤسساتها لكي تتمكن البلاد من الخروج من عنق زجاجة الأزمة التي ينذر استمرارها إلى خروج الأمر عن قدرة البحرينيين والتحول إلى تجاذبات إقليمية ودولية، مما يشكل خطرا، ليس على البحرين وحدها، بل على كل دول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى لإبعاد رياح الربيع العربي عنها بشتى السبل.
ربما نجاح تجار البحرين في وضع حد لتداعيات وضع كيانهم التجاري يسهم في تسليط الضوء على مكامن النجاح والاستفادة منها في مواقع أخرى لاتزال تعاني من احتقانات مهنية وسياسية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١) صفحة (١٧) بتاريخ (١٣-٠٤-٢٠١٢)