منذ قرابة عشر سنوات؛ دخلت بلادنا مرحلة عُرفت بـ «الطفرة الثانية». وانتشرت هذه التسمية قياساً بمرحلة «الطفرة الأولى» الواقعة بين عامي 1975 و 1986. وكلتا المرحلتين ارتبطتا بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. وكما حدث في الطفرة الأولى؛ فإن عوائد النفط تحوّلت ـ عبر ميزانيات الدولة وخططها الخمسية ـ إلى تنمية وخدمات تدفقت على مناطق البلاد، وتمثلت في مشروعات اقتصادية وعمرانية واجتماعية وثقافية متعددة، وشملت التعليم والصحة والطرق والضمان، وغير ذلك من جوانب التنمية.
وعلى نحو واضح؛ تدخل القرار السياسي في البلاد لتوزيع المشروعات توزيعاً تنموياً وخدمياً، ولذلك تسارعت وتيرة العمل إلى الحدّ الذي صارت مدن البلاد وقراها ورش بناء متتالية ومزدحمة بالعمل الذي يستهدف تسهيل حياة الناس وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وانهمك تنفيذيو الوزارات والأجهزة الحكومية في تسيير إجراءات المنافسات وصرف المستحقات ومتابعة المشروعات، فضلاً عن إخراج الخطط القديمة التي عجزت الميزانيات السابقة عن تنفيذها لتنفيذ ما يمكن تنفيذه منها. وهكذا؛ فإن في كل مدينة وبلدة وقرية وهجرة أعمالاً ومشروعات من شأنها أن تقدم الكثير للمستقبل.
هذا كله؛ يفرض على المواطن المستهدف من هذه المشروعات أن يتحلّى بشيء من الصبر على مشكلات الإنشاء والتنفيذ التي قد تؤثر سلباً ـ بشكل مؤقت ـ في بعض الخدمات الأخرى. إذ إن إنشاء جسر أو توسعة طريق من شأنه أن يستغرق وقتاً ويتسبب في تضييق طرق أخرى. كما أن ازدحام مدرسة سوف يتغير إلى سعة بوجود مشروعات أخرى يجري تنفيذها. وهذه هي طبيعة البناء، ولا يمكن أن يتمّ مشروع بين عشية وضحاها.
كما يفرض الأمر على المسؤولين التنفيذيين في الوزارات ومؤسسات الدولة ألا يدخروا وسعاً في تنشيط عمليات التنفيذ، ومتابعة المقاولين ليس في الأجندات الزمنية المتعلقة بالتنفيذ، بل وفي مستوى الجودة النوعية الخاصة بكل مشروع. صحيح أن العمل كثير، والمشروعات متداخلة، ولكنّ تنفيذ مشروعات بجودة منخفضة من شأنه أن يتحوّل إلى خسائر مستقبلية تعيق فائدة المشروع نفسها.
وهناك واجب آخر يقع على عاتق المقاولين المنفذين، فوفرة السيولة وتنفيذ المشروعات منحهم فرصاً كبيرة للاستفادة من مناقصات الدولة، وواجبهم المهني ـ والوطني ـ يفرض عليهم الصدق في العمل والحرص على الجودة، دون انتظار رقيب أو حسيب. إذ إن المقاول الناجح هو من يتحمّل مسؤولية الجودة العالية حماية لكيان مؤسسته.
ورشتنا التنموية مرتبطة بثلاثيّ أساسي: المواطن المستهدف، والوزارة المعنية، والمقاول المنفذ. وعلى الجميع تحمل مسؤولياتهم وأماناتهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٤) صفحة (١٧) بتاريخ (١٦-٠٤-٢٠١٢)