أثار الشيخ عائض القرني قضيةً طالما لفتت أنظار الملاحظين في مجالنا السعودي. تلك هي عدم «لبس» المشايخ و»طلبة العلم» العقال، كما هو المعهود عند أغلب السعوديين منذ عقود. إذ أصبح اعتماره متمما للباس «الرسمي» الذي يخرج به الرجال إلى الناس.
وذهب الشيخ القرني في تفسيره لعدم لبس المشايخ و»طلبة العلم» للعقال إلى كونه نتيجة لعادة متأصلة في المملكة وحسب، لا لسبب ديني. ولكي يثبت وجهة نظره تلك عمد إلى لبسه في مقابلة له مع إحدى الفضائيات. واستقبل كثير من الكتّاب تصرفَ الشيخ القرني بالتعليق المرحِّب بالتغيير، ورأى بعضهم أن ذلك التغيير ربما يكون وسيلة لإزالة ما يشبه أن يكون تجهما يَسِم المشايخ و»طلبة العلم» بسبب عدم لبسهم للعقال!
لكن الأمر يمكن أن يقارَب بشكل مختلف عما ذهب إليه الشيخ القرني. فمع أن سبب هذه الظاهرة ربما لا يعود إلى «المنع» الديني الصريح، أو إلى «الزهد»، كما يوحي بعض الكتّاب والباحثين، إلا أن هناك أسبابا واضحة لها. وللدلالة على أن «الزهد» ربما لا يكون السبب وراء اختصاص هؤلاء الفضلاء بذلك أن كثيرا منهم يلبسون، كما يفعل الموسرون من غيرهم، أغلى «المشالح» المؤطَّرة بأغلى أنواع الحرير «الصناعي!»، ويرتدون ثيابا لا تقل نوعا وجودة عما يرتديه الآخرون. إضافة إلى العناية الفائقة بالثياب التي يرتدون و»الأشمغة» التي يعتمرون من حيث النظافة والكيّ، إن لم نذكر السيارات الفاخرة والمنازل الفارهة – اللهم لا حسد!
وللكشف عن سبب هذه الظاهرة ينبغي مقارنتها باختصاص «رجال الدين» في الأديان والمذاهب الأخرى جميعها بملابس خاصة بهم تختلف عما يلبسه عامة الناس في تلك الأديان والمذاهب والتوجهات. ويصل تميُّزُ «رجال الدين» بملابس خاصة إلى أن تختلف ملابسهم بحسب مراتبهم داخل كل دين أو مذهب أو توجه.
ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة عند رجال الدين المسيحيين، مثلا. إذ يميز هؤلاء أنفسَهم عن غيرهم من الناس بأشكال مختلفة من الملابس تتنوع بحسب المذاهب الكثيرة جدا التي تتفرع إليها المسيحية.
كما تتنوع ملابسهم داخل كل مذهب من تلك المذاهب بحسب تراتبهم في سلم النظام الكنسي فيه. ويمكن ملاحظة هذا الاختصاص والتنوع الكبير في ملابس رجال الدين الكاثوليك ورجال الدين الأرثوذوكس الشرقيين ورجال الدين الأقباط، مثلا. كما يتميز رجال الدين في المذهب الإنجليكاني في بريطانيا ومستعمراتها السابقة بأنواع من اللباس الخاص بهم يتنوع تبعا لطبقاتهم ومراتبهم في السلم الكنسي الإنجليكاني.
ويوجد هذا الاختصاص والتنوع في الملابس عند «رجال الدين» في غير الأديان السماوية، كما هو عند رجال الدين في البوذية والهندوسية وغيرهما من الأديان الآسيوية.
وكذلك الأمر في ملابس «رجال الدين» في الديانات التقليدية الإفريقية.
وإذا جئنا إلى الإسلام نجد «رجال الدين» يتميزون عن غيرهم من الناس بملابس خاصة بهم، كذلك. وهي تتنوع بحسب المذاهب والطرق الدينية الكثيرة والبلدان التي ينتمون إليها. وأشهر الأمثلة لذلك اللباسُ الخاص بمشايخ الأزهر وطلابه. ويختص علماء السنة في الشام والعراق والسودان واليمن والمغرب العربي كله بأنواع من اللباس يتميزون بها عن ملابس الناس المعهودة.
ويختص مشايخ الصوفية بملابس خاصة بهم كذلك.
إذ يميزون أنفسَهم باعتمار العمة التي تُلف على الرأس بطريقة خاصة، وبلبس الجبة ووضع «الشال» بلونه الأخضر على أكتافهم ملفوفا حول رقابهم.
وكذلك الأمر عند مشايخ الشيعة الذين يميزون أنفسهم باعتمار العمة وارتداء العباءة فوق ثياب تشبه الثياب الخليجية.
ويتميز بعضهم عن بعض بلون العمة: فهناك من يلبس العمة السوداء علامة على انتسابهم إلى السادة، فيما يعتمر غير المنتمين إلى السادة عمة بيضاء. وكذلك الأمر عند مشايخ الدين الدروز والعلويين والإباضيين والإسماعيليين.
ومن هنا فعدم لبس المشايخ و»طلبة العلم» الذين ينتسبون إلى التوجه السني «السلفي» في بلادنا العقال إنما يمكن فهمه من خلال هذه الظاهرة العامة في الديانات والمذاهب والتوجهات الدينية كلها.
وكان أول ما لفت انتباهي وأثار استغرابي حين وصلت إلى بريطانيا مبتعَثا أن كثيرا من خطباء الجمعة في مساجد لندن يصعدون المنابر وهم يلبسون ملابس «مدنية غربية» لا تختلف عن الملابس التي يلبسها الناس العاديون إلا برسميتها لاحتوائها على ربطة العنق و»الصديرية». وأصدق القارئ القول إني لم أستسغ منظر أولئك الخطباء حينها، وشعرت بأنهم لا يمثلون شيخ الدين السني الذي عهدتُه في المملكة! بل إن الأمر لا يزال يبدو لي غريبا شيئا ما حين أرى خطيبا للجمعة أو إماما للصلاة وهو يلبس العقال. وأجد ذلك دائما حين أذهب إلى دول الخليج العربي التي يخطب فيها كثير من خطباء الجمعة وهم يلبسونه!
ومحصلة القول أن عدم لبس المشايخ و»طلبة العلم» عندنا للعقال، ليس وليدا لعادة، كما لا يمكن أن يلبسوه من غير أن يشعروا بالحرج، كما يقول الشيخ عائض القرني وغيره. ذلك أن عدم لبسهم له يشير إلى ارتباطه بتمييزهم عن غيرهم من الناس من أجل إعطائهم منزلة مختلفة، كما هي الحال في الديانات والمذاهب الأخرى.
والفارق بين ما يلبسه المشايخ و»طلبة العلم» السلفيون في بلادنا وما يلبسه غيرهم من الناس ليس كبيرا، بعكس ما نجده عند «رجال الدين» في الديانات والمذاهب والتوجهات الأخرى.
ومع ذلك فعدم لبسهم للعقال علامة كافية، وإن كانت ضئيلة، لتمييزهم على غيرهم.
وربما لا يوجد نص ديني يوجب على «رجال الدين» في الديانات والمذاهب والتوجهات كلها لبس ملابس خاصة بهم، أو أن يميزوا أنفسهم عن الآخرين بشارة معينة. ومع هذا لابد أن يكون هناك سبب وراء هذه الظاهرة التي صارت عرفا لا يسأل الناس عن الأساس الذي بني عليه، ويتعاملون معه على أنه أمر طبيعي لا يلفت النظر.
وربما يكون إضفاء «الهيبة» على «رجال الدين» أحد البواعث وراء هذا الاختصاص. ذلك أنهم، في الأديان والمذاهب كلها، يحتاجونها لتأكيد مكانتهم التي يستمدون منها سلطتهم على الناس.
وهذا ما يجعل الشيخ القرني شخصا مختلفا، لو ظهر علينا وهو يلبس العقال، إذ لا يمكن أن تكون له «الهيبة» التي له حين يتجرد منه!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٤) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٦-٠٤-٢٠١٢)