تتسم ردود الأفعال الخليجية تجاه التصعيد الإيراني في ملف الجزر الإماراتية المحتلة بالاتزان والتعقل حتى الآن على المستويين الرسمي والشعبي، رغم ما أقدمت عليه طهران مؤخراً من نشر ألوية عسكرية في الجزر الثلاث في خطوةٍ مثلت استفزازاً غير مسبوق منذ أربعين سنة.
وتتيح هذه المعالجة الهادئة أمرين، الأول إثبات أن إيران رفضت الجهود السلمية لحل الأزمة وفضلت استعراض القوى رغم أن باب الحوار كان مفتوحاً، أما الأمر الثاني فهو تفويت الفرصة أمام من يحاولون زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة من العالم ودفع أطرافٍ فيها إلى الصدام ذي العواقب الوخيمة اقتصادياً وأمنياً.
ولكن، ما الذي يمكن أن تفعله دول الخليج الآن لدعم قضية دولة الإمارات المتحدة العادلة؟ إن المستجدات التي طرأت على ملف الجزر الثلاث خلال الأسبوعين الماضيين حتمت على القادة الخليجيين السير في مسارين بالتوازي، الأول اتخاذ إجراءات أكثر سرعة للانتقال من مرحلة التعاون إلى الاتحاد، عملاً بالمبادرة التي طرحها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، في القمة الخليجية التي استضافتها الرياض نهاية العام الماضي، وهي مبادرةٌ ذات فوائد عدة، منها توحيد الجهود لمواجهة التجاوزات الإيرانية، والعمل على تماسك الجبهة الداخلية لدول المنطقة بما يجعلها عصيّة على محاولات الاختراق.
وفي هذا السياق، ندرك أن الأمانة العامة لمجلس دول التعاون الخليجي تبذل جهداً لدراسة آليات التحول إلى الاتحاد ومتطلباته، ونقول للقائمين عليها اعلموا أن المواطن الخليجي يترقب ما ستسفر عنه دراساتكم.
أما المسار الثاني فهو البحث جدياً في خيار اللجوء إلى التحكيم الدولي لاسترداد الجزر المحتلة، بعدما كشفت الإدارة الإيرانية عن عدم استعدادها، وفق ما بدر عن دبلوماسيين إيرانيين حتى الآن، للجلوس على طاولة التفاوض المباشر مع الإماراتيين، ويفرض هذا المسار ضرورة إعداد ملفٍ قانوني متكامل ومدعوم بوثائق تاريخية تثبت لجهات التحكيم خطأ الادعاء الإيراني بأن ملكية هذه الجزر تعود إلى طهران.
ويدرك الجميع أن هذا المسار هو خيار أصحاب النفس الطويل، ولكنه الأكثر اتساقاً مع المبادئ الحاكمة للدبلوماسية الخليجية، وعلى رأسها إرساء الاستقرار والأمن والحفاظ على ما تحقق للمواطن الخليجي في العقود الماضية من تنمية اقتصادية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٧-٠٤-٢٠١٢)