حصْد السعوديين تسع ميداليات في معرض جنيف 2012 يحمل الكثير من الدلالات ويفرض الكثير من التساؤلات. فنحن، قياساً بالدول المتقدمة، لا نزال نخطو خطواتنا الأولى في ميدان الابتكار والاختراع. إلا أن ذلك لا يعني أننا أمة عقيمة وخالية من العقول القادرة على السعي إلى موقع علمي في المنافسة الدولية.
ومن المؤكد أن الفائزين في هذه المسابقة التي شاركت فيها 45 دولة؛ سبق أن كـُرِّموا في بلادهم قبل تتويجهم في العاصمة السويسرية، واحتـُرموا بين زملائهم قبل وصولهم إلى منافسيهم الدوليين. بل إن الذي أوصلهم إلى المنصّة الدولية هي المؤسسات السعودية نفسها. وهذا في ذاته يحمل دلالة واضحة على أن في داخلنا إرادة واضحة تريد للسعوديين أن يتقدّموا وينافسوا ويفوزوا. كما يحمل أن في داخلنا مواهب تتمتع بالفرادة والنباهة والذكاء الكافي الذي يتحرّك في محيطه باحثاً عن حلّ لمشكلة أو دواء لداء.
وفي كلّ المجتمعات البشرية؛ هناك عقول تتحرك وتفكر، ونحن جزء من هذه المجتمعات بطبيعة الحال. ونحن ـ أيضاً ـ نصبّ جزءاً هائلاً من إيرادات بلادنا لصالح بناء الإنسان تعليماً وتربية وإشادة. والسعوديون الفائزون في جنيف جزء من مواطني هذه الأرض الطيبة.
هذه هي الدلالات التي تحملها الميداليات التسع التي عاد بها السعوديون من سويسرا.
أما التساؤلات؛ فهي تتركز حول الكثير من المؤسسات الأكاديمية والبحثية والتعليمية في بلادنا، ناهيك عن الشركات التي يعمل فيها سعوديون يوجدون حلولاً تطبيقية كثيرة يمكن أن تُعتبر ابتكارات واختراعات.. بل هي كذلك. فهذه المؤسسات تتحمّل مسؤوليات كبيرة إزاء العقول التي تقع تحت مظلتها، ليس من أجل دعم قيم الموارد البشرية والإنتاجية فحسب، بل من أجل تسخيرها لصالح خدمة المستقبل الوطني على نحو عام.
إن وجود عقل نشط يعني ـ ببساطة ـ أن المحيط يؤثر فيه ويحفزه على إيجاد ما يلبي احتياجاته. ومن المؤكد أن أم الاختراع، الحاجة، هي الدافع الأقوى الواقف وراء كل ابتكار أو اختراع. وحين يصل مهندس أو باحث أو فني إلى طريقة عملية في قطاع إنتاجي أو حتى خدميّ؛ فإن دور المؤسسة التي يعمل هذا العقل تحت مظلتها مطالبة بألا يقف الأمر عند حد خطابات الشكر والتقدير، ولا حتى المكافأة المادية. بل عليها أن تفتح أفق البحث العلمي له وتشرع أبواب التفكير الإبداعي له، وتكفيه مؤونة الدوران بالفكرة عشرات الدورات لأجل اعتمادها أو اعتماد براءة اختراعها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٦) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٨-٠٤-٢٠١٢)