الشيخ علي جمعة وزيارة القدس

هل يردم التبرير الهُوّةَ الشاسعة بين الخطاب والسلوك؟

154136.jpg
طباعة التعليقات

يقرؤها: عبدالمحسن يوسف
يرسمها: معتصم هارون

الأقصى في الأسر
الأقصى في قبضة الصهاينة
على أسواره ترفرف رايات المغتصبين
وتدنس باحاته أحذية جنود متغطرسين
يصدّون عنه كل من أراد الصلاة فيه
من أهلنا الفلسطينيين المرابطين ببسالة حقيقية..
ويمارسون معهم ما ليس يوصف
من فظاعات بصفة يومية..
ويدأبون على الحفر تحت
أسواره بصلف ٍ فادح..
يزوّرون التاريخ
يزيّفون الهوية
ولا يعبؤون بأحد..
وعلى الرغم من هذا كله
يتباهى بعض الرموز من أمتنا
بأنهم ينوون زيارة المسجد الأقصى..
مبررهم تفقّد أحوال المسلمين هناك!
وتسجيل نوع من التحدي في وجه العدو!
وهو في الحقيقة مبرر لا يخلو
من هواجس البحث عن نجومية عابرة!
ومنهم من زاره فجأةً فيما يتباهى بأنه زاره
وصلى فيه وحقق حلمًا
عظيمًا من أحلامه الكبرى!
يفعلون هذا وكأنهم حرروه
من المحتل الغاصب!
يتباهون بمنجزهم فيما هم
زاروه تحت رايات الاحتلال!
وتحت أجنحة القتلة
وجنرالات الدم
أدوا الصلاة فيه!
ومشوا إليه ناكسي الرؤوس
فيما ترقبهم أعين «أجهزة»
تتلذذ بإهانة كل عربي ومسلم!
الشيخ علي جمعة «مفتي الديار المصرية»
زار القدس الشريف مؤخرًا
وصلى في المسجد الأقصى
غير مكترثٍ بما سوف تحمله
هذه الزيارة من دلالات
وبما سوف تقدمه للصهاينة
من منح مجانية
ألم يفكر هذا الشيخ الجليل بأنه
بفعلته هذه أضفى الشرعية
على من لا شرعية له؟
وكرّس سياسة «الأمر الواقع»
التي تنتهجها «إسرائيل»
وحاولت تكريسها منذ زمن بعيد
فهي تريد من الأمة كلها
أن تسلّم بهذه السياسة الاحتلالية البغيضة؟
ألم يهمس لنفسه: ماذا صنعت يداك أيها الشيخ الجليل؟
لماذا استهنت بكل تلك الدماء الفلسطينية والمصرية والعربية بشكل عام، تلك الدماء التي تصدت للمحتل الغاصب طويلاً وأفسدت عليه مخططاته وأهدافه؟
ألم يدرك أنه بزيارته غير المبررة البتة
أساء إلى المؤسسة الدينية التي يقف على رأس هرمها؟
وأنه أساء لتاريخها الطويل المشرّف؟
وهل ظن أنه بمقولته التي ذاعت ،
التي يمكن تلخيصها بأنه قام بالزيارة
بصفته الشخصية وليست الرسمية
يدرأ عنه اللوم ويصون ذاته
من المساءلة والغضب؟
ثم أين ذهبت كل تلك الفتاوى الصادرة
عن مؤسسته العتيدة؟
ألم يُلقِ عليها نظرة ً سريعةً
قبل شد الرحال إلى القدس الشريف؟
ثم ما هذا الوعي المعزول عن كل
وعي وطني أو قومي؟
وما هذه الفردية المغلقة التي صدر عنها
شيخ جليل المفترض أنه
ذو علمٍ وذو ثقافة وقدرة على
التأويل الصحيح والتحليل السليم
لكل خطوة يخطوها، ولردود الأفعال والنتائج؟
ألم يفكر ولو للحظة في الربح والخسارة؟
ألم يقل لنا من الرابح ومن الخاسر من هذه الزيارة؟
ثم لنفترض أن من قام بالزيارة شخص آخر
ماذا ستكون ردود أفعال هذا الشيخ؟
وماذا ستقول مؤسسته الرسمية ومن يدورون في فلكه وفلكها؟
ألن يُرشق بكل ما في القاموس الهجائي من مفردات؟
ألن يسعدوا برميه خارج أسوار الدين، والأمانة، والأخلاق، والشرف؟ ألن تُلصق به تهمة العمالة والخيانة وربما الكفر؟
ما هذه التناقضات؟ وما هذا الخلل في التعاطي مع أمرٍ كهذا؟
إنني كلما فكرتُ في هذا الشأن سقطت في الذهول!
لأن الهوة بين الخطاب والسلوك كبيرة وواسعة!
وليس بوسع التبريرات أن تردمها..
أليس كذلك أيها الشيخ الجليل؟
أليس كذلك يا من فكرتم بالزيارة؟
يا من شرحتم مبرراتكم ثم أحجمتم عنها
من دون توضيح للأسباب رغم الحماس الكبير
الذي سبق لحظات الصمت والإحجام هذه؟
وهل وعي كهذا يمكن أن نركن إليه وإلى صاحبه؟
أليس من حقنا أن نرتاب من كل خطابٍ لا ينسجم مع السلوك؟
أليس من حقنا مساءلة كل من يقوم بخطوة مريبة كهذه؟
أم أن ثقافة القطيع تود لنا أن نندس في صفوفها ونمضي من دون أن نستخدم عقولنا التي يريد البعض منا أن نتعامل معها كما لو كانت محض أوعية للغبار؟ وكما لو كنا محض أتباع وحسب؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢) صفحة (٣٥) بتاريخ (٠٤-٠٥-٢٠١٢)