محروس الهاجري

أضرمَ الأقمارَ في أرواحنا واستطاب الغياب..

154137.jpg
طباعة التعليقات

يقرؤها: عبدالمحسن يوسف
يرسمها: معتصم هارون

مثل «نهّام» يرتحل في
زرقةٍ عريضةٍ شاسعةٍ
كأنها صحراء من ماء،
أطلق صوته للريح
والشمس والأفق العريض،
مثل سندبادٍ قديم
خبّأ أشواقه في صُرّةٍ
وطفق ينوح بصدقٍ وارف،
محرضاً أعماقنا على نحيبٍ صافٍ،
وشجنٍ خالصٍ،
ووجعٍ مكابر..
في ذلك الزمن الضارب في التسامح،
ملأ عقيرته بالغناء،
الغناء الذي ينهب الروح
بالمواويل التي تحسن
تحريك عباب القلب
وتحيل الجراح وروداً
مهيأةً للتفتح مع كل «آهة»..
ذات مساء أطلّ من شاشةٍ
مدعوكةٍ بالأبيض والأسود،
حاملاً أنينه الخاص عبر أغنيةٍ
اصطفاها مخرج مسلسل
خليجي بوصفها مقدمةً،
فسرقت الأضواء من
أحداث المسلسل
ومن نجومية الممثلين..
وراح الناس الذين ثملوا بصوته يتساءلون:
من يكون ذلك المغرد الفاتن؟
من يكون صاحب ذلك
الصوت الفريد الآسر؟
فاشتعلت الإجابة التي
رسخت في الأذهان:
إنه محروس الهاجري،
فتى من «المنطقة الشرقية»
يتقن الغناء الذي يشعل
الحرائق في السريرة،
ويضرم الأقمار في القمصان،
ويملأ الرئات بالنسائم العذبة،
وينفض عن شرفاتنا
الهواء المستعمل..
كان محروس يصدح
بصوتٍ عامرٍ بالأنين:
«غداّر، أعرفك يا بحَرْ..
ضحكة أمواجك
تسل سيوف
تطعن في الظهرْ..»
وكلما ارتفع صوته النفيس كالألماس
تذكر العشاق كم من الطعنات تلقتها قلوبهم الغضة!
كم من الألم ثقب أعماقهم المليئة بالأحلام!
وتذكر آخرون غابةً من السيوف
كم ظلت تستبد
كم ظلت تطيح بأجمل الأماني
وأجمل الغصون!
وكلما عاتب محروس البحر:
«خذ يا بحر كل ما تبي
اللولو والمرجان
والثوب الحرير..
بس يرجع المحبوب
طوّل في السفرْ..»
أذكت نار الحنين أفئدة المنتظرين
أحبتهم الغارقين في الزرقة،
المنهوبين بالغربة،
الممعنين في الغياب،
ولكنّ محروس بعد ذلك التألق الفريد،
والحضور الصاخب،
كفّ فجأةً عن الغناء،
فطفقنا نفتش في الذاكرة
عن صدى صوته الجميل،
صوته القريب من أشجاننا،
القريب من حنيننا الذي لا يتثاءب ولا ينكسر،
وإذ بالذاكرة تقطرُ دمعًا،
وإذ بألسنتنا تحوك أسئلةً مريرةً:
– لماذا صمت هذا الفتى «الشرقي»؟
لماذا تخلى محروس عن هذا الفضاء؟
لماذا تركه للغربان كي تمارس هديلاً مزوراً؟
وللبوم كي يسمم آذاننا بالصراخ الكريه؟
لماذا عاقبنا بالصمت نحن الذين شغفنا به طويلاً
وخبّأناه في الغرف السرية من أعماقنا؟
هل صمت احتجاجاً على هذا الغثاء الذي يملأ الآفاق؟
هل لم يستطع تجاوز «غدار يا بحر»، التي
كانت مثل وردةٍ تكنز بركاناً من جمال؟
أم أن وراء صمته ما وراءه؟
تحية سامقة لذلك «النهّام» الفاتن..
تحية سامقة لمن استطاب الغياب الطويل..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٢) صفحة (٣٥) بتاريخ (٠٤-٠٥-٢٠١٢)