عودة سفير خادم الحرمين الشريفين إلى الشقيقة مصر يحمل عدداً من الرسائل والعناوين الواضحة للأشقاء في مصر ولغيرهم من الأشقاء والأصدقاء، ولغير الأصدقاء في مصر وفي غيرها. أهم هذه العناوين هو حُسن النوايا السعودية تجاه الآخرين، أصدقاء وغير أصدقاء. فقيادة المملكة وشعبها يحملون قدراً واسعاً من التسامح لا التنازل، ويملكون رصيداً كبيراً من الصبر، لا قُبول الإهانة.
وهناك فروق كثيرة بين التسامح والنسيان، كما أن هناك فروقاً كثيرة بين تفهّم الأوضاع السياسية في بعض البلدان وبين التنازل عن الاعتبارات الوطنية. وهكذا كان، حين سحبت المملكة بعثتها الدبلوماسية، فقد كان ذلك رسالة احتجاج واضحة وتعبيراً عن استياء مما صدر عن قلة في الشقيقة مصر. وهكذا كان أيضاً حين قرّر خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، إعادة البعثة الدبلوماسية إلى القاهرة والإسكندرية والسويس.. أي أن القرار رسالة لكافة الأشقاء في مصر، خاصة الشخصيات المسؤولة فيها التي جاءت إلى بلادنا وأعلنت عن موقف الثقل السياسيّ والمودة الكبيرة التي كشف عنها وأكدها الشعب المصري.
ولم يسبق للمملكة أن سعت إلى الإساءة إلى أحد، ومن المؤكد ـ أيضاً ـ أنها لم تسعَ إلى الإضرار بمصالحها مع أحد، أو الإضرار بمصالح أحد. بل على العكس من ذلك، فكان حرص القيادة السعودية دائماً وأبداً مركزاً على تمتين العلاقات الطيبة مع الجميع، واحترام الشؤون الداخلية في كل البلدان، واحترام أنظمة الدول وقوانينها. وبالمقابل، لم تطلب المملكة من أحد أكثر من ذلك. فالسيادة الوطنية لا تتغير ولا يُستهان بها، وقوانين المملكة تُطبّق داخلها على كلّ من يدخل أراضيها. ولا تزايد بلادنا على ذلك ولا تعبر إلا كما تعبّر أية دولة عن نفسها.
تفرض المملكة على مواطنيها احترام قوانين وأنظمة البلدان التي يزورونها، وفي المقابل تطلب من أبناء الدول الأخرى المعاملة بالمثل حين يجيؤون إلى بلادنا. وليس لدى أي كان ما يميزه عن غيره في هذا الشأن وفي غيره. والقضية الجنائية التي ضُبطت في مطار جدة لم تكن أكثر من أية قضية مماثلة يتم التعامل معها وفق أنظمة المملكة. ولو ضُبط مواطن سعودي في قضية مماثلة في أي من بلدان العالم، فسوف تحترم المملكة الإجراءات التي تتبعها تلك الدولة. وقد تتدخل بشكل أو بآخر استناداً إلى كون المواطن سعودياً، ولكن التدخل لا يصل إلى حدّ فرض شيء على أنظمة الدول الأخرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٣) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٥-٠٥-٢٠١٢)