لم تمنعه مشاغله الجسيمة في قيادة البلاد الكبيرة من التدخل في قضايا فردية صغيرة؛ طالما أن في هذا التدخل ضرورة تؤدي إلى عتق رقبة. والشفاعات التي سجلها خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – شاهدة ودليل على وجوده بين أبنائه المواطنين مصلحاً ذات بينهم، واضعاً وزنه الوطني وأبوته الراسخة والعميقة على محك الشفاعة، ليُنقذ ـ بذلك ـ رقاباً من القصاص.
مليك البلاد الأمين على مصالح كلّ كبير وصغير فيها، والأب الحاني للجميع مُدعياً ومُدّعىً عليه، يستلّ من وقته الثمين ما يكفي للتدخل بهذه الدقة والأهمية، فتكون النتيجة أن يفرّج الله عن أسرة عاشت قلقاً عارماً على أحد أبنائها حُكم عليه بالقصاص. وفي الوقت ذاته يساعد أسرة أخرى على أن تُحسن إلى إنسان مُدان. إنها الشفاعة المحبّبة التي تعني السعي إلى إصلاح ذات البين بالحكمة الطيبة والحب العادل الذي لا يميّز أحداً عن أحد، ولكن يساعد على جعل العلاقة بين أهل القاتل وأهل القتيل قائمة على العفو والتراحم والمودة.
وليس من السهل إنجاز شفاعة في مجتمع مثل مجتمعنا الذي يحسب حساباً دقيقاً لجرائم القتل والثأر لها والقصاص منها. إنه مجتمع قائم على ثقافة محافظة جداً، ويحتكم فيها إلى شرع الله الذي أقرّته هذه البلاد على تفاصيل إدارتها وحُكمها. ويوضح الشرع الإسلامي موقفه بوضوح من القصاص، فهو حق لأهل القتيل، ويقف إلى جانب هذا الحق حق آخر؛ هو حق العفو عن القاتل. وحق العفو مكفول برضى وقناعة. وهذا ما دعا كثيرين في هذه البلاد الخيّرة إلى التدخل بين أطراف القضايا المشابهة ليشفعوا للقاتل التائب النادم على فعلته عند أهل القتيل، ويساعدوا الطرفين على تخطّي تبعات الجريمة التي وقعت في فورة غضب أو وسط معمعة خلاف حاد.
جرت العادة أن يبذل خيّرون جهوداً لرأب الصدع ولمّ الشمل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ليكون العفو أساساً جديداً يحكم المتخاصمين، ويُصلح ما بينهم من خلاف، ويطهّر قلوبهم من الغلّ والشنأ والشنآن. وقد تصدّى خادم الحرمين الشريفين، في كثير من القضايا، لإصلاح خلافات مواطنين بالتي هي أحسن، وساند مواقف إنسانية بالطريقة التي أقرّها الشرع الإسلامي، ودعم بوادر الصلح والعفو. وأدى ـ بذلك ـ دور المواطن الصالح الذي يهمّه أن يتخطى المتخاصمون أزماتهم ويواصلوا حياتهم في سلام، ويكون العفو خياراً للقادر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٦) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٨-٠٥-٢٠١٢)