يوحي المشهد العراقي الحالي بأن حكومة نوري المالكي تكيل بمكيالين في التعاطي مع القضايا السياسية والأمنية، فهي تطلق سراح القيادي في حزب الله اللبناني المتهم بالقتل الطائفي في العراق، علي دقدوق، وفي الوقت نفسه تضغط بكل ما يتوفر لها من وسائل على الصعيدين الإقليمي والدولي لتوقيف نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي في قضيةٍ يراها قطاعٌ واسع من العراقيين سياسية لا جنائية.
ويعمِّق هذا التناقض في التعامل مع هاتين القضيتين شعور القوى السياسية العراقية بأن ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه نوري المالكي، يصر على المضي في طريق بناء ديكتاتورية جديدة تعتمد إقصاء الآخرين وإضاعة فرص التوافق الوطني لتحقيق أكبر قدر من المصالح، وهو ما ينذر بإضاعة جهود إقامة عراقٍ جديد بل ويزيد من احتمالات عودته إلى عقودٍ ماضية وإن تبدلت وجوه الحكام واختلفت توجهاتهم السياسية.
وما يزيد المخاوف مما يجري في بلاد الرافدين أن جماعة المالكي تعرقل إتمام الحوار الوطني، الذي دعا إليه الرئيس جلال طالباني، بطرقٍ غير مباشرة، من بينها رفض تقليص مساحات الخلاف مع الفرقاء السياسيين، وإطلاق تصريحات تستفز التحالف الكردستاني والقائمة العراقية، والتقرب من طهران بالقول والعمل مستثيراً مخاوفَ محلية وإقليمية من تدخلٍ إيراني واسع في شؤون العراق يباعد بينها وبين دول الجوار ويرهن مصالح أبنائها بقرارٍ خارجي.
وأمام هذه المعطيات، يبدو العراق في حاجة إلى إصلاحٍ لمنظومته القضائية، وهي مسألة لا تنفصل عن وجوب إعادة بناء مؤسسات الدولة بما يضمن استقلالها عن هوى الكتل السياسية وحيدتها، الأمر الذي سيضمن عدم تكرار تجارب سيئة عانت منها هذه البلاد لسنوات.
يحتاج العراق أيضاً إلى التعجيل بإجراء حوارٍ وطني يؤسس لمسارٍ سياسي جديد وممهد، يضمن حقوق أبناء الوطن الواحد ويخفف من الاحتقان بين التيارات، لا ينبغي أن يظل الاجتماع الوطني رهن موافقة جماعة المالكي أو رفضهم، فالاحتكام إليه الآن أشبه بـ «فريضةٍ وطنية» يحتمها تعقُّد الظروف وغموض المشهد، وهو ما يتطلب من كل الأطياف الوطنية في العراق السير في هذا المسار وتجاوز الخلافات الآنية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٧) صفحة (٢١) بتاريخ (٠٩-٠٥-٢٠١٢)