كثير منا يدرك الحقيقة لكنه يهرب من السؤال: ماذا يجري في فلسطين هذه الأيام؟
ثمة معركة يفجرها آلاف الأسرى الذين يتم اقتناصهم على الحواجز العسكرية وفي الغارات الليلية في الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي ال48 التي تواجه عنصرية من نوع جديد. يخوض الأسرى الفلسطينيون اليوم معركة الأمعاء الخاوية، حيث ينفذون إضرابا عن الطعام بدأ منذ شهر مارس الماضي وبلغ بعضهم السبعين يوماً يواجهون الموت بصبر تخر له الجبال. هل جرب أحدنا الإضراب عن الطعام ليوم واحد؟! أشك في ذلك. فالأمة لاتزال تعيش حالة التخدير التي رضعتها منذ عقود من الزمن، وهي حتى الآن، على الأقل، غير قادرة على تحديد مصيرها، ولاتدرك أن فلسطين هي عنوان الصراع في المنطقة العربية برمتها.
هؤلاء هم أبناء فلسطين الذين يدافعون عن كرامتنا وعن عزتنا وعن لقمة الخبز التي نتناولها كل صباح، بينما يخوضون هم معركتهم بطريقة أخرى. طريقة تمس من كرامة العرب المتخمين الذين يبحثون عن مزيد من التسلية في الطعام الذي حرم الأسرى أكله تحت حراب الاحتلال. لم نستمع لصرخاتهم وهم يساقون إلى مقاصل السجون الصهيونية. ولم نستمع إلى أن هناء شلبي التي خاضت معركة السجن الإداري بمفردها وهي تواجه كل الآلة الصهيونية من أجل إيصال صوت الأسرى إلى العالم الحر. لم نستمع إلى أحمد سعدات شامخا بشيبته وهو يدخل المستشفى بعد أن رفض كسر إضراب شعبه الذي يساوي الكرامة التي يبدو أنها اندثرت في زوايا عديدة من جغرافية الأمة الممتدة من الخليج إلى المحيط. أحمد سعدات هذا أخذ من سجن تحت إدارة فلسطينية إلى سجن تحت إدارة صهيونية..جاء إلى قمة الهرم التنظيمي بعد أن شظى صاروخان صهيونيان جسد أبو علي مصطفى الذي هندس عملية انتقامية لوزير دنس أرض فلسطين ليقتل أبناءها ويفرض عليهم حصارا جائرا لا تقبله أية شريعة على الأرض.
بعض العرب في السجون العربية الذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية «الإضراب عن الطعام»، سيدخلون اليوم موسوعة جينيس للأرقام القياسية بعد أن بلغوا التسعين يوماً وهم يواجهون الموت ببسالة قل نظيرها من أجل نيل حقوقهم كبشر على وجه الخليقة. وفي فلسطين يسيرون نحو أرقام قياسية جديدة، قد يستشهد بعضهم وهم مضربون عن الطعام أو في المستشفيات التي يرفضون تناول الدواء منها بسبب عدم الثقة في الاحتلال ولإبراز قضية الإضراب عن الطعام كجزء من مواجهة الاحتلال الجاثم على صدور الفلسطينيين منذ 64 عاماً قضتها الفلسطينيات في إنجاب الشهداء من أجل تحرير الأرض والإنسان.
بالنسبة للكيان الصهيوني، تتصرف حكوماته المتعاقبة أنها فوق القانون الدولي. فهي تمارس الاعتداءات المتكررة ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن عرب الثمانية والأربعين، لتفرض الأمر الواقع. الواقع الذي يرفضه الفلسطينيون باعتبارهم أصحاب الدم والأرض والأولى بتقدير أوضاعهم ورؤيتهم للطريقة التي يمكن من خلالها تحرير أرضهم من رجس الاحتلال الصهيوني.
الفلسطينيون يعرفون عدوهم. يحاربونه تارة ويفاوضونه تارة، وقد جاءت اتفاقية أوسلو على خلفية المفاوضات التي أعقبت مؤتمر مدريد عام 1991، لتدخل القضية الفلسطينية في نفق المفاوضات التي لاتفضي إلى دولة مستقلة بحدود معلومة، ولا إلى هدنة طويلة الأمد. فالكيان لا يرى في الفلسطينيين، مهما كانت منابعهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية، شريكا أو عنصرا ندا للمفاوضات، بل يتصرف الكيان على أرضية واضحة تتمحور حول تقطيع الوقت لزيادة أعداد المهاجرين اليهود وتهويد أراضي الثماني والأربعين ومدينة القدس وهدم المسجد الأقصى من خلال حفر الأنفاق وتذويب الأحماض تحت أساساته، ومصادرة الأراضي من أصحابها الفلسطينيين.
حتى اللحظة لم تلتفت الدول العربية إلى قضية المضربين عن الطعام في السجون الصهيونية الذين يبلغ عددهم أكثر من 1500 سجين، جزء مهم منهم تم اعتقالهم بناء على أوامر إدارية، أي من دون تهم، اللهم الرغبة في الاعتقال فحسب. عدم الالتفات للوضع الفلسطيني الذي يواجه خيار الدولة اليهودية، لن يؤثر سلبا فقط على الفلسطينيين، إنما أيضا على كل المجتمعات العربية التي لم تصل حتى اللحظة إلى المفهوم المشترك لمتطلبات الربيع العربي.
قد تكون هناك جولة أخرى من التعذيب الذي يتعرض له المضربون عن الطعام من السجناء الفلسطينيين في سجون الاحتلال، لكنها ستسهم فوق العذاب والقتل العمد بحق الفلسطينيين الأسرى، في إصابة شعوب الأمة بجروح غائرة في جسد الأمة وقيمها الأخلاقية التي يبدو أنها تواجه الاندثار. جروح لاتلتئم مع المساعدات المالية لبعض الفلسطينيين، هذا إن أتت، بل في وقفة جريئة من الشعوب والحكومات العربية ضد الإمعان في إهانة الكرامة الفلسطينية التي تمتحن إرادتها اليوم في معركة الأمعاء الخاوية تحت احتلال دولة فوق القانون الدولي تجسد الدكتاتوريات التاريخية في دول العالم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩) صفحة (١٥) بتاريخ (١١-٠٥-٢٠١٢)