انتهت مطلع الأسبوع الماضي الأزمة السياسية التي حدثت بين مصر الشقيقة والمملكة العربية السعودية، فمرت هذه الأزمة كسحابة صيف؛ حيث حسم الأمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله ورعاه) عندما قال: «مصر مكانتها كبيرة في قلب المملكة»، وأمر بإعادة السفير إلى مصر لمزاولة عمله من جديد.
الوفد المصري الكريم الذي حلَّ في ضيافة أشقائه بالمملكة استشعر أهمية وأد الفتنة وجاء ليبرهن للجميع أن المملكة العربية السعودية ومصر على الصعيد الرسمي والشعبي متكاملتان وأن العلاقة بينهما تزداد قوة ومتانة بعد كل أزمة، ووضح هذا جلياً أثناء مقابلتهم لخادم الحرمين الشريفين (حفظه الله).
الأحداث المؤسفة التي وقعت في الفترة السابقة التي تم على إثرها سحب السفير السعودي وإغلاق القنصليات هناك، كانت بسبب قضية تافهة وعادية لا تستحق كل هذا الاحتقان والتشنج الذي حصل، وإنما هناك أيد خفية استغلت الفرصة وتريد أن تعكر صفو العلاقات بين البلدين الشقيقين وإفسادها ولا تريد الخير لهذه المنطقة وتسعى لخلق الفتن بين البلدين، فإيران لا تفتأ تفكر في زرع الفتنة والشقاق بين الإخوة في المنطقة ودائماً تحاول أن تلقي حجراً في المياه الراكدة وتسعى إلى تخريب العلاقات بكل ما أُوتيت من قوة حتى تكون اللاعب الأساسي الأول وتتسيد في المنطقة خصوصاً في الفترة الحالية التي تموج بالأحداث والاضطرابات التي يمر بها عالمنا العربي.
ما حدث من اقتحام للسفارة وتبديل العلم السعودي بأعلام دول أخرى معادية للمملكة استهجنه كثير من العقلاء في مصر والمملكة العربية السعودية؛ لأن علاقتنا بمصر علاقة وطيدة ومنذ القدم؛ حيث وطد هذه العلاقة وأكدها مؤسس هذه الدولة المباركة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أثناء الزيارة الأولى التي قام بها الملك فاروق ملك مصر الأسبق إلى المملكة سنة 1363هـ، وقابله حينذاك الملك عبدالعزيز في ينبع على أرض الخليج برضوى؛ وكان محور الاجتماع الأساسي مناقشة تأسيس الجامعة العربية في ذلك الوقت، وبعدها بسنة زار الملك عبدالعزيز مصر مرتين متتاليتين الأولى: لتأصيل العلاقة السعودية المصرية يرافقه وفد سياسي رفيع المستوى، وأقام الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عدة أيام بمصر، أما الزيارة الثانية فكانت لمقابلة الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل بعد رجوعهما من مؤتمر يالطا.
إذاً فالعلاقة المصرية السعودية علاقة متينة وقوية ولا يستطيع كائن من كان أن يزعزع هذه العلاقة أو يفسدها؛ لأن المحور السعودي المصري هو عامل أساسي في استقرار الوطن العربي ككل، وأن أي توتر أو مساس بهذا المحور سوف ينعكس سلباً على العرب جميعاً وقضاياهم.
وعلى الرغم من تداعيات هذه القضية فإن شعبنا أثبت أن لديه وعياً ثقافياً كبيراً ولديه خلفية كبيرة عن ثقل مصر وأهميتها إستراتيجياً وسياسياً، فلم يحاول أحد من أفراد المجتمع السعودي المساس بالإخوة المصريين المقيمين بالمملكة أو التحرش بهم أو الإساءة إليهم أو تجريحهم بأي عبارة أو مضايقتهم؛ لأن هذه ليست من عادات المجتمع السعودي وسجاياه، ولا من طبائعه التي تربى عليها منذ نشوئه.
عموماً القضية بتداعياتها انتهت، ولكن نأمل من أشقائنا المصريين في المستقبل سواء من الإعلاميين أو المفكرين أو العموم أخذ العبرة وعدم فسح المجال للأعداء المتربصين بأن يفسدوا علاقة الود والاحترام المتينة التي تربط بين المملكة ومصر.
وينبئنا التاريخ بأن مصر الشقيقة المعروفة بمكانتها الإستراتيجية وعمقها السياسي كانت دائماً مطمعاً للغزاة منذ عدة قرون وتحديداً منذ بداية الحروب الصليبية بين المسلمين والصليبيين؛ حيث وجه الغرب في ذلك الوقت عدة حملات صليبية إلى مصر محاولة منه السيطرة عليها واحتلالها ليتمكنوا من احتلال باقي المدن الإسلامية آنذاك، فهذه الدول الغازية كانت ترى أن مفتاح سقوط المدن الإسلامية يبدأ من مصر، إلا أنهم عجزوا عن تحقيق مرادهم؛ بسبب وجود قادة محنكين آنذاك تمكنوا من الدفاع عن مصر والمحافظة عليها، ولهذا فمصر منذ أمد بعيد وهي مستهدفة من الأعداء فحري بإخواننا في مصر أن يفوتوا على الأعداء الفرص التي يحاولون استغلالها للنيل من مصر وإضعافها سياسياً واقتصادياً، ونأمل أن تنتهي الأزمة السياسية التي تعيشها مصر اليوم بأن يتحد الجميع باختيار رئيس جديد متفق عليه من جميع الأطياف الدينية والفكرية والثقافية، لتعود مصر إلى ممارسة ثقلها السياسي سواء في الوطن العربي أو الدولي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٥٩) صفحة (١٤) بتاريخ (١١-٠٥-٢٠١٢)